دفاتر الرجال

بقلم: شادي عياد

يقولون إن لكل مدينةٍ دفاترها.

دفاتر للأراضي.

ودفاتر للضرائب.

ودفاتر للمواليد والوفيات.

لكنهم لا يعرفون أن رام الله تحتفظ بدفاتر أخرى…

دفاتر لا تُحفظ في الخزائن.

ولا تُختم بالأحبار.

ولا تُعرض أمام الكاميرات.

دفاتر لا يفتحها إلا التاريخ.

اسمها…

دفاتر الرجال.

وفي إحدى ليالي فلسطين الطويلة، فتح التاريخ أحد تلك الدفاتر القديمة.

تصفّح صفحاته بصمت.

مرّ على أسماءٍ كثيرة.

بعضها لمع سريعًا ثم اختفى.

وبعضها أحدث ضجيجًا كبيرًا ثم تلاشى.

وبعضها عاش عمره كله يطارد اسمه أكثر مما طارد قضيته.

فطوى التاريخ تلك الصفحات دون أن يتوقف عندها طويلًا.

ثم وصل إلى صفحات أخرى…

صفحات كُتبت بالعرق.

وخطّت بالصبر.

وخُتمت بالوفاء.

فتوقف.

لأن التاريخ يعرف الفرق بين الذين مرّوا على الوطن…

والذين مرّ الوطن من خلالهم.

هناك وجد جيلًا كاملًا من أبناء فتح الأوائل.

جيل الانتفاضة الأولى.

جيل الحجارة التي كانت تعرف أصحابها.

وجيل الأيام التي كان فيها الانتماء امتحانًا يوميًا لا بطاقة تعريف.

جيلٌ لم يسأل عن حصته من الوطن.

بل سأل عن حصّة الوطن منه.

جيلٌ كان يرى في فتح رسالةً قبل أن يراها موقعًا.

وفي فلسطين قدرًا قبل أن يراها عنوانًا.

في زمنٍ كان فيه ياسر عرفات هو عنوان الفكرة وبدايتها، وصوتها الأول الذي فتح الطريق للمشروع الوطني الفلسطيني.

ثم مرّ في الذاكرة اسم الأخ ناصر داود”ابو داود” كأحد أبناء ذلك الجيل الذي حمل الفعل في زمنه، وكان جزءًا من تفاصيل الانتفاضة الأولى كما هي، لا كما تُروى لاحقًا.

ثم برز اسم الأخ الكبير خالد مطور “أبو علي” ضمن السياق نفسه، في صورة جيلٍ لم يكن خارج الحكاية، بل داخلها بالكامل، حيث كان الفعل أهم من التعريف والانتماء أسبق من التوصيف.

ثم تأتي الذاكرة إلى الشهداء والأسرى والجرحى، الذين شكّلوا الوجه الأعمق لتلك المرحلة، وكتبوا بالدم والصبر والمعاناة المعنى الحقيقي لفلسطين في زمنها الأصعب.

وفي امتداد هذا المسار، استمر المشروع الوطني الفلسطيني في مراحل لاحقة، حيث حمل الرئيس محمود عباس مسؤولية الاستمرارية وثقلها في ظروف شديدة التعقيد، محافظًا على بقاء هذا المشروع قائمًا كإطار وطني جامع، ومواصلًا مسارًا بدأه المؤسس ياسر عرفات، ضمن معادلة صعبة عنوانها حماية التراكم الوطني وعدم التفريط به رغم كل التحولات.

وفي هذا السياق، تبقى أسماء كثيرة من أبناء رام الله ومن جيل الانتفاضة الأولى حاضرة في الذاكرة، ضمن قافلة طويلة من الرجال الذين صنعوا تلك المرحلة، وإن لم يُذكروا جميعًا هنا، فإن عدم ذكر الأسماء لا يعني غيابها عن الذاكرة، بل يؤكد أن القافلة أكبر من أن تُختصر وأن الوفاء لها واحد مهما تعددت أسماؤها.

وحين قلب التاريخ المزيد من الصفحات…

وجد أسماءً لم تحتج يومًا إلى ضجيج كي تُعرف.

لأن الرجال الحقيقيين لا يعرّفون أنفسهم…

بل تعرّفهم مواقفهم.

هناك…

بين سطور رام الله.

وبين ذاكرة الانتفاضة الأولى.

وبين حكايات الأزقة التي ما زالت تحفظ وقع الأقدام الأولى…

كانت أسماء الأبطال من طراز الاخ ناصر داود والاخ أبو علي مطور ومن على شاكلتهم من أبناء ذلك الجيل في مختلف المواقع والتجارب، كقافلةٍ وطنيةٍ ممتدة لم تُكتب كلها هنا، لكنها حاضرة في الذاكرة الجمعية وفي سجل الفعل الذي صنع تلك المرحلة.

لا كأسماء تبحث عن مكان في الدفتر…

بل كأسماء أصبحت جزءًا من الدفتر نفسه.

جزءًا من ذلك الجيل الذي لم يطلب من التاريخ مكافأة.

فاختار التاريخ أن يحتفظ به.

ذلك الجيل الذي تربى في مدرسة ياسر عرفات.

وحمل الأمانة.

وبقي متمسكًا بها.

مؤمنًا أن فتح ليست طريقًا إلى النفوذ.

بل طريقًا إلى المسؤولية.

وأن قيمة الإنسان بما يقدم لفلسطين لا بما يأخذه منها.

ولذلك بقي حاضرًا.

لا في الصور.

ولا في الشعارات.

بل في المعنى.

والمعنى هو أبقى ما يتركه الرجال خلفهم.

وعندما أغلق التاريخ دفتره في تلك الليلة…

لم يغلقه قبل أن يكتب على الصفحة الأخيرة عبارة واحدة:

قد يختلف الناس على المواقع…
لكنهم لا يختلفون على الرجال.

ولهذا ستبقى بعض الأسماء عصيّة على النسيان.

لأنها لم تُكتب بالحبر.

بل كُتبت في دفاتر الرجال.

تلك الدفاتر التي لا يملك أحد حق التعديل عليها…

إلا التاريخ.