حان وقت الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط

حرب إيران ليست إلا أحدث حلقة في سلسلة من الإخفاقات الأمريكية
بقلم: ستيفن أ. كوك  |  كاتب عمود في فورين بوليسي وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا  |  16 يونيو 2026
أولاً: حصيلة عملية «الغضب الملحمي» — انتصار مُعلَن بلا مضمون
يرى الكاتب أن عملية الرئيس دونالد ترامب «الغضب الملحمي» لم تُحقّق أي إنجاز استراتيجي. أعلن الرئيس النصر بأسلوبه المعهود، لكن بنود مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية المُسرَّبة تروي قصةً مغايرة: تشير التقارير إلى أن واشنطن وطهران ستتفاوضان الآن على البرنامج النووي الإيراني، وستُسمح لإيران بتصدير النفط بموجب استثناء خاص لستين يوماً، وسيُعاد فتح مضيق هرمز.

القضية الأخيرة تبقى ملتبسة: رغم إعلان ترامب المنتصر بحرية الملاحة في المضيق — أي عودة للوضع الراهن قبل الحرب — يُؤكد المسؤولون الإيرانيون أن ذلك ينطبق فقط على الشهرين المُغطّيين في مذكرة التفاهم، وأنهم سيفرضون بعدها رسوم عبور.

«الأمريكيون والشركاء الإقليميون والمستهلكون حول العالم — وربما الإيرانيون أنفسهم — كانوا في وضع أفضل قبل اشتعال هذه الحرب»
ثانياً: لماذا خاضت واشنطن هذه الحرب أساساً؟
استناداً إلى المعلوم عن الاتفاق، يخلص الكاتب إلى أن الجميع كانوا في وضع أفضل قبل إطلاق إسرائيل والولايات المتحدة حربهما في الثامن والعشرين من فبراير. عقب الإعلان، صرّح ترامب بأنه إذا لم تحترم إيران تعهداتها، فستصبح الولايات المتحدة «حارسة الشرق الأوسط». غير أن فشل ترامب في إيران من المرجح أن يُحرّك أمراً مغايراً كلياً: انسحاباً أمريكياً.

لن يكون الرئيس وحده من يستثمر مذكرة التفاهم لفكّ ارتباط واشنطن بالمنطقة؛ فقليلون من أعضاء الكونغرس ومرشحي الرئاسة والمسؤولين الحكوميين والمسؤولين المحتملين سيرغبون الآن في إنفاق الموارد السياسية والعسكرية والمالية للبقاء فيها. الظروف مختلفة، لكن المشهد يستحضر بقوة ديسمبر 1971.

ثالثاً: السابقة التاريخية — من شرق السويس إلى الخليج
في يناير 1968، أعلن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون انسحاب بريطانيا من قواتها في الخليج العربي، عاجزةً عن تحمّل تكلفة ما تبقّى من إمبراطوريتها العالمية. حاولت إدارة جونسون إقناع ويلسون بالعدول دون جدوى. أكملت القوات البريطانية انسحابها «شرق السويس» في ديسمبر 1971 — فبدأ التراكم الطويل والبطيء للقوات الأمريكية في المنطقة.

في البداية، بقيت الولايات المتحدة بمعزل واضح عن الشاطئ، تُستعرض حاملة طائرات بصورة دورية في المحيط الهندي مصحوبةً بـ«عملية تموضع» بحرية متواضعة من البحرين. لم تنزل القوات الأمريكية إلى البر وتبقَ هناك إلا بعد غزو الرئيس العراقي صدام حسين واحتلاله للكويت في أغسطس 1990.

رابعاً: سجل أمريكي مخيّب على مدى 35 عاماً
سجل واشنطن خلال العقود الخمسة والثلاثين التالية لم يكن جيداً: سعت لبناء دولة فلسطينية، وتحويل المجتمع العراقي، وتحويل دول الشرق الأوسط إلى ديمقراطيات — لم ينجح شيء من ذلك، ولا نجحت مغامرة ترامب الإيرانية. لهذه الأسباب كلها، لم يعد الشرق الأوسط قضيةً رابحة في واشنطن؛ وإن وُجد إجماع حزبي ثنائي داخل العاصمة، فهو على ضرورة فكّ ارتباط الولايات المتحدة بالمنطقة.

تحوّل في أولويات الطاقة
كانت حرية تدفق موارد الطاقة من المنطقة الهدف الأمريكي الأسمى طويلاً، لكن ذلك يتغيّر أيضاً. يبدو منزع إزالة الكربون عن الاقتصاد العالمي مستبعداً، لكن الديمقراطيين يرغبون في الاستثمار في التحوّل الطاقي لأنه جيد للكوكب وطريق للخروج من الشرق الأوسط. في الوقت ذاته، يتساءل كثير من الجمهوريين عن أسباب استمرار واشنطن ضامناً لأمن الخليج بينما الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.

خامساً: نهاية «عقيدة كارتر» — وملامح المستقبل
في هذه البيئة، يبدو إنفاق مليارات لا تُحصى لإعادة بناء أو إصلاح أو استبدال المنشآت والمعدات الأمريكية في المنطقة جراء حرب خاطئة وغير شعبية مهمةً عسيرةً سياسياً. ثمة احتمال معقول بأن يُشبه المستقبل الماضي إلى حد كبير: حاملة طائرات أمريكية تتناوب في المنطقة، وحضور بحري متبقٍّ في البحرين، وربما جناح جوي متمركز في الأردن — وذلك ليس بالقليل، لكن يبدو واضحاً لبعض صانعي السياسة الأمريكيين أن «عقيدة كارتر» و«ملحق ريغان» قد انتهى أجلهما. حماقة ترامب عزّزت هذا الشعور فقط. نتيجةً لذلك، تنتهي الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط.

«عقيدة كارتر وملحق ريغان قد ماتا — وحماقة ترامب عزّزت هذا الشعور فقط»
سادساً: شركاء واشنطن وحدهم في مواجهة المستقبل
ماذا سيفعل شركاء واشنطن وهي تُودّعهم بدعم من خصومها الداخليين؟ في 1971، تمنّى قادة الخليج سراً أن تُرسّخ واشنطن حضورها في المنطقة، لكن اليوم لا يوجد خليفة للولايات المتحدة. تعلّمت بكين درساً جيداً من مغامرات واشنطن في الشرق الأوسط، وتبدو مصممة على تجنّب الانخراط المماثل.

سيرغب شركاء واشنطن بلا شك في شراء مزيد من الأسلحة الأمريكية، لكنهم سيوسّعون أيضاً دائرة مورّديهم. ففي النهاية، لا منطق في الاستمرار بشراء صواريخ أمريكية بـ4 ملايين دولار لاعتراض مسيّرات تكلفتها 35,000 دولار — لا سيما إذا كانت واشنطن منسحبة وتاركةً دول الخليج وغيرها يتعاملون بمفردهم مع الفوضى التي خلقها ترامب. المستفيدون المحتملون: الصين وكوريا الجنوبية وتركيا وأوكرانيا وحتى إسرائيل، التي تُورّد بعضها أصلاً معدات عسكرية للمنطقة بما فيها تقنيات المسيّرات والدفاع الجوي.

سابعاً: الخلاصة الشخصية للكاتب — لحظة تصحيح المسار
يُحاجج الكاتب أن أسلاف ترامب درسوا تحدّي إيران وراجعوا خطط المعارك وشعروا بالضغط من القادة الإسرائيليين، لكنهم رفضوا في النهاية حرباً طائشة — أما ترامب فقد انجرف إليها. يرى الكاتب أن أمام ترامب الآن فرصة لتصحيح المسار بفعل ما لم يفعله أي رئيس أمريكي سابق: سحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط بالكامل. سيحزن بعض الدول لرحيل واشنطن بلا شك، لكن شركاء الولايات المتحدة في المنطقة يعلمون الآن أن واشنطن لم تكن أبداً الوصي على الاستقرار والأمن الذي زعمته — وذروة ذلك الزعم كانت في عمليتَي «درع الصحراء» و«عاصفة الصحراء» قبل أكثر من ثلاثة عقود.

الخلاصة التنفيذية
يُقدّم الكاتب حجة جذرية: فشل حرب إيران لن يُفضي إلى تصعيد جديد بل إلى انسحاب أمريكي طويل الأمد من الشرق الأوسط، يُغذّيه إجماع حزبي ثنائي نادر داخل واشنطن وتحوّل في أولويات الطاقة وسجل تاريخي مخيّب من المغامرات الأمريكية الفاشلة في المنطقة.
الاستنتاجات الرئيسية:

1.            مذكرة التفاهم تعيد الوضع لما كان قبل الحرب دون أي مكسب استراتيجي حقيقي — وربما مع رسوم عبور إيرانية جديدة في هرمز.

2.            فشل ترامب في إيران يُرجَّح أن يُحرّك انسحاباً أمريكياً واسعاً من المنطقة لا مزيداً من التصعيد.

3.            السابقة التاريخية واضحة: الانسحاب البريطاني من شرق السويس 1971 يتكرر اليوم بنسخة أمريكية.

4.            سجل واشنطن في بناء الديمقراطيات وتحويل المجتمعات في المنطقة فاشل على مدى 35 عاماً.

5.            تحوّل أولويات الطاقة الأمريكية (استقلال نفطي وغازي) يُقلّص الحافز الاستراتيجي للبقاء في الخليج.

6.            غياب خليفة للولايات المتحدة يفتح الباب للصين وكوريا الجنوبية وتركيا وأوكرانيا وإسرائيل موردين بديلين للسلاح.

المصدر: Foreign Policy  —  ستيفن أ. كوك  |  16 يونيو 2026
مسرد المصطلحات والأسماء

مذكرة التفاهم (MOU): الاتفاق المبدئي الهش المُبرَم بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، دون حسم القضايا النووية الجوهرية.

عقيدة كارتر: مبدأ السياسة الخارجية الأمريكية الذي أعلنه الرئيس جيمي كارتر عام 1980، يُعرّف الخليج العربي منطقة مصلحة حيوية أمريكية تستوجب التدخل العسكري إذا لزم.

ملحق ريغان: توسيع لعقيدة كارتر تبنّاه الرئيس رونالد ريغان، يُمدّد الضمانة الأمنية الأمريكية لتشمل استقرار الحكومات الخليجية الصديقة لا فقط الدفاع عن تدفق النفط.

الانسحاب البريطاني شرق السويس: إعلان رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون عام 1968 سحب القوات البريطانية من الخليج العربي، اكتمل في ديسمبر 1971، وأفسح الطريق للحضور الأمريكي المتصاعد في المنطقة.

عمليتا درع الصحراء وعاصفة الصحراء: العمليتان العسكريتان الأمريكيتان لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991 — تُعدّان الذروة التاريخية لمصداقية الدور الأمريكي الضامن للأمن الخليجي وفق الكاتب.

ستيفن أ. كوك: كاتب عمود في فورين بوليسي وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، صاحب كتاب «نهاية الطموح: أمريكا في الشرق الأوسط ماضياً وحاضراً ومستقبلاً».