السياسي – تتواصل في الأوساط الأكاديمية والسياسية الأمريكية النقاشات بشأن تداعيات الحرب التي خاضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران، حيث اعتبر عدد من الخبراء أن النزاع ألحق بالولايات المتحدة هزيمة استراتيجية عميقة، فيما رأى آخرون أن قرار إنهاء الحرب عبر مذكرة التفاهم الموقعة مع طهران يظل أفضل من مواصلة صراع مكلف وغير مضمون النتائج.
وفي مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، اعتبر بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة جورجتاون في قطر، أن الحرب على إيران ألحقت بالولايات المتحدة هزيمة استراتيجية تفوق في آثارها ما تكبدته خلال حرب فيتنام.
وقال موسغريف إن الأضرار التي لحقت بسمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها الدولية بعد الحرب كانت أشد من تلك التي أعقبت حرب فيتنام، رغم أن الأخيرة استمرت لفترة أطول وأسفرت عن أعداد أكبر بكثير من الضحايا.
وأضاف أن الولايات المتحدة احتفظت بمعظم نفوذها العالمي بعد انسحابها من فيتنام، بينما خرجت من الحرب مع إيران في موقع أضعف مما كانت عليه قبل اندلاعها. وكتب: «الولايات المتحدة في وضع أضعف بلا جدال مما كانت عليه عند بدء هذه الحرب الاختيارية، وقد تضررت أهدافها الاستراتيجية الأساسية».
وأشار إلى أن النجاح الأمريكي الإسرائيلي الأولي في استهداف قيادات إيرانية بارزة أدى عملياً إلى تعزيز نفوذ التيار الأكثر تشدداً داخل الحرس الثوري الإيراني، بعدما أخفقت الحرب في تحقيق هدفها المعلن المتمثل في تغيير النظام.
واعتبر أن فشل واشنطن في تحقيق أهدافها أضعف ثقة الحلفاء بقدرتها على توفير الضمانات الأمنية، في وقت أثبتت فيه إيران قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط اقتصادية ذات تأثير عالمي.
وفي السياق نفسه، كتب الصحافي المتخصص في شؤون الأمن القومي ويليام هينيغان في صحيفة «نيويورك تايمز» أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية في فرض إرادتها على خصوم أضعف منها.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة، رغم إنفاقها نحو تريليون دولار على الدفاع العام الماضي، لم تتمكن من تدمير حتى غالبية الترسانة الصاروخية الإيرانية، مضيفاً أن الحرب أبرزت نقاط الضعف الكامنة في الاعتماد على أنظمة تسليح متطورة وباهظة الثمن وتتطلب فترات طويلة لإعادة إنتاجها وتعويض المخزونات المستهلكة.
كما وصف مات دوس، نائب الرئيس التنفيذي لمركز السياسة الدولية، الحرب بأنها هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة، معتبراً أنها جاءت نتيجة إجماع سياسي أمريكي طويل الأمد بالغ في تقدير حجم التهديد الإيراني.
في المقابل، دعا الباحث تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي، إلى دعم الاتفاق الذي أنهى الحرب، معتبراً أن التركيز على مقارنة مذكرة التفاهم الحالية بالاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما لا يجيب عن السؤال الأساسي المتعلق بالبدائل المتاحة.
وكتب بارسي في مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت» أنه عارض على مدى سنوات سياسة ترامب تجاه إيران، وحذّر منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 من أن هذه السياسة ستقود في النهاية إلى مواجهة عسكرية، لكنه رأى أن قرار إنهاء الحرب الآن هو القرار الصحيح.
وأشار إلى تصريحات روبرت مالي، أحد مهندسي الاتفاق النووي لعام 2015 وكبير المفاوضين الأمريكيين مع إيران في عهد الرئيس جو بايدن، الذي قال إن مذكرة التفاهم الحالية «أفضل بكثير من جميع البدائل المطروحة».
وأضاف بارسي أن السؤال عمّا إذا كانت الحرب تستحق الثمن الذي دفعته الولايات المتحدة «سؤال غير منطقي»، لأن الحرب كانت فاشلة منذ البداية، معتبراً أن الرهان على أن حرباً اختيارية فاشلة يمكن أن تحسّن شروط التفاوض لا يستند إلى أي سند تاريخي.
وحذّر من أن الإصرار على مواصلة حرب متعثرة أملاً في تحسين النتائج السياسية هو المنطق الذي يقود إلى الحروب الطويلة والمفتوحة، مشيراً إلى أن قادة كثيرين يفضلون استمرار النزاعات على الاعتراف بالفشل.
واستشهد بالتجربة الأمريكية في أفغانستان، حيث استمرت الحرب قرابة عقدين من الزمن وكلفت أكثر من تريليوني دولار وآلاف القتلى من الأمريكيين وحلفائهم ومئات الآلاف من الأفغان، قبل أن تنتهي بعودة حركة طالبان إلى السلطة.
وقال إن إطالة أمد الحروب أملاً في أن تتغير الوقائع الميدانية ليس دليلاً على الصمود، بل تعبيراً عن الإنكار السياسي، مضيفاً أن قبول الحقائق غير المريحة في وقت مبكر يقلل الكلفة البشرية والاقتصادية والاستراتيجية على المدى الطويل. ورغم تحميله ترامب مسؤولية إشعال الحرب، رأى بارسي أن الرئيس الأمريكي يستحق قدراً من التقدير لإنهائها بدلاً من اتباع نمط رؤساء أمريكيين سابقين واصلوا حروباً خاسرة سنوات طويلة لتجنب الاعتراف بالفشل.
وأشار إلى أن الكلفة السياسية المترتبة على إنهاء الحرب ربما كانت أكبر بالنسبة لترامب من كلفة استمرارها، موضحاً أن الثقافة السياسية الأمريكية كثيراً ما تعاقب الاعتراف بالأخطاء أكثر مما تعاقب استمرار السياسات الفاشلة.
وانتقد بارسي بعض الديمقراطيين الذين هاجموا مذكرة التفاهم، معتبراً أن اعتراضاتهم تكرر الأساليب نفسها التي استخدمها الجمهوريون ضد الاتفاق النووي عام 2015، محذّراً من أن إفشال الاتفاق قد يؤدي إلى استئناف الحرب، ما سيجعل معارضي الاتفاق شركاء في تبعات أي تصعيد جديد.
ودعا الديمقراطيين إلى التركيز على محاسبة ترامب على قرار بدء الحرب، بدلاً من مهاجمة الاتفاق الذي أوقفها، كما طالب الإدارة الأمريكية بحماية التفاهم من محاولات تقويضه.
واعتبر أن الخطر الخارجي الأكبر على الاتفاق يتمثل في الحكومة الإسرائيلية ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، متهماً إياه بالسعي إلى إفشال أي فرصة للتقارب بين واشنطن وطهران.
وختم بالقول إن المهمة الأساسية حالياً ليست مكافأة ترامب سياسياً أو تبرير الأخطاء التي قادت إلى الحرب، بل ضمان عدم عودة الصراع مجدداً، مؤكداً أن الخيار المطروح أمام الساسة الأمريكيين هو التعلم من دروس الحروب الطويلة لعدم تكرارها مرة أخرى.









