السياسي – يرى المعلق في الشؤون الخارجية سايمون تيسدال أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يمثل مجرد تسوية عسكرية، بل تحول سياسي كبير يضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موقع شديد الضعف.
وقالت صحيفة “الغارديان” في لتيسدال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ينجو من تداعيات الإحراج السياسي الناتج عن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، في حين يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تداعيات أكثر خطورة قد تنعكس على مستقبله السياسي بالكامل.
وأضاف تيسدال أن نتنياهو يعد الخاسر الأكبر في الاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أنه قد يذكر لاحقاً باعتباره القائد الذي ساهم في إشعال سلسلة طويلة من الصراعات في الشرق الأوسط، بدءاً من غزة والضفة الغربية، مروراً بلبنان وسوريا والعراق واليمن، وصولاً إلى المواجهة مع إيران.
وأوضح أن سياسات نتنياهو اعتمدت في مجملها على خيار واحد ثابت هو توظيف القوة العسكرية المفرطة خارج إطار القانون الدولي، وهو نهج أدى إلى تعميق الأزمات بدلاً من حلها، وانتهى في الحالة الإيرانية إلى نتيجة فاشلة تماماً.
وأشار تيسدال إلى أن الحرب غير المبررة ضد إيران مثلت ذروة هذه العقيدة السياسية والعسكرية، القائمة على استخدام القوة الغاشمة لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى، لكنها في النهاية لم تحقق أي من النتائج التي رُوّج لها داخلياً أو خارجياً.
وفي المقابل، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق المقال، تقديم اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقّع في قصر فرساي على أنه إنجاز سياسي وليس تراجعاً أو استسلاماً، رغم ما يحيط به من انتقادات وسخرية دولية واسعة.
ويرى الكاتب أن ترامب قد يتمكن من تجاوز تداعيات هذه الخطوة سياسياً، لكن نتنياهو، الحليف الأبرز له في هذه المواجهة، يواجه ما وصفه تيسدال بعواقب قد تكون كفيلة بإنهاء مسيرته السياسية بالكامل.
ويؤكد تيسدال أن نتنياهو، الذي يعد أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاء في السلطة، بات في نظر كثيرين شخصية تنتمي إلى الماضي، خاصة في ظل التغيرات العميقة في المشهدين الإقليمي والدولي.
وأضاف أن ما يشبه “النعي السياسي” لنتنياهو يمكن قراءته كسجل اتهام طويل، إذ يحمّله مسؤولية رفض حل الدولتين مع الفلسطينيين، وعدم منع هجمات السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، ثم الرد عليها بحرب مدمرة على غزة، إلى جانب إبقائه على تحالفات مع تيارات يمينية متطرفة داخل حكومته، وهو ما تسبب في تآكل صورة إسرائيل دولياً.
كما يشير المقال إلى أن نتنياهو لعب دوراً محورياً في تقويض الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، الذي حظي بدعم دولي واسع، وأن رفضه لذلك الاتفاق، بدعم من إدارة ترامب لاحقاً، ساهم في تدهور الأوضاع وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي انتهت بنتائج عكسية على إسرائيل نفسها.
ويؤكد تيسدال أن هذه العوامل، رغم أهميتها، ليست السبب الوحيد في تراجع موقع نتنياهو، بل إن العامل الحاسم يتمثل في تآكل ما يعرف بـ”العلاقة الخاصة” بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي العلاقة التي شكلت لعقود أحد أعمدة السياسة الدولية في الشرق الأوسط.
ويوضح أن هذه العلاقة بدأت تتعرض للتآكل بشكل تدريجي، خاصة مع تراجع التواصل المباشر بين نتنياهو وترامب، وازدياد الانتقادات داخل الولايات المتحدة للحرب الإسرائيلية على غزة، واتهام نتنياهو بالمسؤولية عن جر واشنطن إلى صراع لا يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وأشار الكاتب إلى أن البيت الأبيض والرأي العام الأمريكي باتا ينظران بشكل متزايد إلى الحرب في غزة باعتبارها خطأ استراتيجياً، يعتمد على تقديرات خاطئة بشأن سرعة الحسم ونتائج الصراع، وهو ما ساهم في تعميق الفجوة بين الطرفين.
كما يتطرق المقال إلى التحولات التاريخية في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، حيث شهدت هذه العلاقة مراحل من التوتر والتقارب، قبل أن تدخل مرحلة التحالف الاستراتيجي العميق بعد الحرب الباردة، بدعم من المصالح الأمنية والعسكرية المشتركة.
ويضيف أن الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل تضاعف بشكل كبير خلال العقود الماضية، بالتوازي مع تزايد تأثير جماعات الضغط المؤيدة لتل أبيب في واشنطن، ما جعل الولايات المتحدة الحليف الأهم لإسرائيل في العالم.
لكن هذا التوافق، بحسب تيسدال، بدأ يتراجع بشكل واضح منذ عام 2015، عندما قاد نتنياهو حملة واسعة لعرقلة الاتفاق النووي الإيراني الذي تبنته إدارة باراك أوباما، وهو ما ساهم في تعميق الانقسام الحزبي داخل السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
وينقل المقال عن الكاتب في صحيفة “هآرتس” جوشوا ليفر قوله إن حملات الضغط المؤيدة لإسرائيل فشلت في منع الاتفاق النووي، لكنها ساهمت في تقويض التوافق الحزبي الأمريكي حول إسرائيل، وتحويل الدعم لها إلى قضية حزبية أكثر انقساماً.
كما أشار إلى أن ولاية ترامب الأولى ساهمت في تسريع هذا الانقسام، من خلال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وتجاهل منظمة التحرير الفلسطينية، وهي خطوات ساهمت في تعميق الاستقطاب داخل السياسة الأمريكية.
ويرى تيسدال أن سياسات نتنياهو اللاحقة، خاصة تبنيه لخطاب يميني متشدد ودعمه للتوسع الاستيطاني، بالإضافة إلى حروبه المتكررة في غزة ولبنان وإيران، أدت إلى تآكل الإجماع التقليدي داخل الولايات المتحدة حول إسرائيل.
وأشار استطلاعات الرأي الحديثة، بحسب المقال، إلى تحول لافت في المزاج العام الأمريكي، حيث بات عدد أكبر من المواطنين يتعاطفون مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين لأول مرة، مع تصاعد النقاش حول جدوى استمرار الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل.
كما يلفت الكاتب إلى أن الانتقادات لإسرائيل لم تعد حكراً على تيار سياسي واحد، بل باتت تمتد عبر الطيف السياسي الأمريكي من اليسار التقدمي إلى اليمين الشعبوي، ما يعكس تحولاً عميقاً في المزاج العام.
ويحذر تيسدال من أن الخلافات الشخصية المتزايدة بين ترامب ونتنياهو، والتي وُصفت في بعض التقارير بأنها وصلت إلى حد الإهانات المتبادلة، تعكس انهياراً أوسع في الثقة بين الجانبين، قد تكون له تداعيات طويلة الأمد على التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
ويضيف أن نتنياهو يجد نفسه اليوم أمام مأزق مزدوج، إذ إن أي محاولة لمواجهة التوجهات الأمريكية قد تؤدي إلى تصعيد جديد مع إيران، بينما الخضوع لها قد يضعف موقعه الداخلي داخل إسرائيل، خاصة أمام حلفائه في اليمين المتطرف.
ويخلص تيسدال إلى أن استمرار هذا الشرخ قد يؤدي إلى تحولات جذرية في بنية النظام الإقليمي، وربما إلى نهاية مرحلة كاملة من “الخصوصية الإسرائيلية” في العلاقات مع الولايات المتحدة، بما يشمل مستقبل اتفاقيات التطبيع والدعم العسكري غير المشروط.
واختتم المقال بالتأكيد على أن نتنياهو، الذي راهن على تحقيق نصر حاسم يعزز إرثه السياسي والعسكري، يجد نفسه اليوم في موقع الخاسر الأكبر، محذراً من أنه بات أمام لحظة سياسية حاسمة تتطلب قرارات مصيرية بشأن مستقبله السياسي.








