في مكان ما من قرية بردلا، وقبل أن تشرق الشمس بقليل، يستيقظ مزارع فلسطيني كعادته.. يتوضأ، يحتسي قهوته على عجل، ويلقي نظرة على أطفاله النائمين قبل أن يتجه نحو أرضه التي ورثها عن أبيه وجده.. لا يحمل هذا الرجل سلاحا، ولا يشارك في معركة عسكرية، ولا يطلب من الدنيا أكثر من أن يصل إلى أرضه، يسقي زرعه، ويعود آخر النهار بما يكفي ليطعم أسرته.. لكن حتى هذا الحلم البسيط أصبح مهددا.. فقد يصل إلى أرضه ليجد جرافة تقتلع ما زرعه خلال أشهر طويلة من التعب.. وقد يجد طريقا أغلقته قوات الاحتلال.. وقد يجد خط مياه قُطع خلال الليل.. وقد يكتشف أن جزءا جديدا من أرضه أصبح خلف سياج أو طريق استيطاني أو بؤرة رعوية جديدة.
هذه ليست قصة فرد واحد..
إنها قصة بردلا وعين البيضاء وكردلا والفارسية والمالح والساكوت والحمة وسهل البقيعة.. إنها قصة آلاف الفلسطينيين الذين يستيقظون كل صباح وهم لا يعلمون إن كانت أرضهم ستبقى لهم حتى المساء.
بعيدا عن الكاميرات، وبعيدا عن نشرات الأخبار العاجلة، تتعرض الأغوار الشمالية لعملية استنزاف يومية تستهدف كل ما يجعل الحياة ممكنة.. الأرض تُصادر، والمياه تُحاصر، والبيوت البلاستيكية تُهدم، والمراعي تُغلق، والعمال يُطردون من أماكن عملهم، فيما تتقدم المستوطنات والبؤر الاستيطانية على حساب الحقول التي كانت قبل سنوات قليلة تعج بالحياة والعمل والإنتاج.
هناك، في الأغوار الشمالية، لا يدور الحديث عن بضعة دونمات هنا أو هناك، بل عن سلة غذاء فلسطين بأكملها.. عن آلاف العائلات التي تعيش من الزراعة.. عن آلاف العمال الذين يعتمدون على هذه الأراضي لإعالة أسرهم.. عن قرى كاملة لا تملك ترف الرحيل ولا تملك بديلا عن الأرض.
حين تُهدم مزرعة في الأغوار، لا يخسر صاحبها وحده..
تخسر أم كانت تنتظر محصول الموسم لتسدد ديونها..
ويخسر أب كان يحلم بتعليم أبنائه..
ويخسر عامل يومه الذي يطعم به أطفاله..
ويخسر طفل حقه في حياة مستقرة وآمنة..
لهذا فإن ما يجري في بردلا وعين البيضاء وكردلا ليس مجرد قضية صراع على الأرض كما يحاول البعض تصويره، بل قضية إنسانية ووطنية من الدرجة الأولى.
إنها معركة على البقاء…
معركة يخوضها أناس عاديون بأيديهم العارية، دفاعا عن حقهم في الحياة فوق أرضهم.
المؤلم أكثر أن هذه المعركة تُخاض في كثير من الأحيان بصمت..
صمت سياسي لا يوازي حجم الخطر..
وصمت إعلامي لا يوازي حجم المعاناة..
وصمت دولي لا يوازي حجم الانتهاكات..
وكأن هذه القرى تقع خارج خريطة الاهتمام.. وكأن آلاف المزارعين والعمال والعائلات الذين يعيشون هناك أصبحوا مجرد أرقام في تقارير موسمية تُكتب ثم تُنسى.
اليوم لا تحتاج بردلا وعين البيضاء وكردلا إلى كلمات تعاطف جديدة.
إنها تحتاج إلى موقف..
تحتاج إلى أن تتحول إلى أولوية وطنية..
تحتاج إلى أن يكون ملف الأغوار على طاولة كل مسؤول فلسطيني..
وأن يكون حاضرا في كل وسيلة إعلام..
وأن يكون قضية مفتوحة أمام كل مؤسسة حقوقية وكل صاحب ضمير في هذا العالم..
فالأرض التي تُصادر اليوم هناك ليست ملكا لجيل واحد فقط، بل إرث أجيال كاملة..
والمياه التي تُقطع هناك ليست مجرد أنابيب، بل شريان حياة لقرى بأكملها..
والحقول التي تُجرف هناك ليست مجرد مشاريع زراعية، بل ذاكرة ناس وتاريخ عائلات ومستقبل أطفال..
تخيلوا للحظة أن طفلا في عين البيضاء أو بردلا أو كردلا يسأل والده:
لماذا هدموا مزرعتنا…؟
لماذا قطعوا الماء…؟
لماذا لم تعد تذهب إلى أرضك كل صباح…؟
بماذا سيجيبه الأب…؟
هل سيقول له إن العالم لم يسمع بما حدث…؟
أم سيقول له إن العالم سمع ورأى واختار أن يدير ظهره…؟
هذا السؤال لا يجب أن يبقى معلقا في الهواء..
لأن الأغوار ليست هامش فلسطين…
والقرى التي تقف اليوم وحيدة في مواجهة هذا المصير لا تدافع عن نفسها فقط، بل تدافع عن أرض فلسطين كلها، وعن حق الفلسطيني في أن يبقى متمسكا بجذوره مهما اشتدت العواصف.
أما نحن، فليس أقل ما يمكن أن نفعله أن نرفع صوتنا قبل أن يأتي يوم لا يبقى فيه ما يمكن الدفاع عنه سوى الذكريات…







