من بارود الثورة إلى نبض الوجدان: في تمجيد الحياة واسترداد الإنسان:

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

في هذا الزمن الرمادي الرديء، حيث يتداخل الصباح مع المساء وتختلط الحقائق بالخرائب، ما يزال الحديث بين المثقفين والكتّاب والأدباء يدور في رحى الثورة والثورة المضادّة، في حلقات لا تكاد تخرج من دوّامة السجون، والنزوح، والقصف، والتخريب، والطائفية. كأنّ الفكر أُجبر على التماهي مع الجراح، أو كأنّ الثقافة أُقحمت في معركة لا تنتهي إلّا بالموت أو بالخذلان. إنها حقبة أُلزِم فيها الوعي بأن يصطفّ إما مع القهر أو مع خطاب الانتصار الزائف، فغابت عنها نغمة الحياة وتلاشت ألوان الوجدان.
لكن، أليس من المشروع – بل من الضروري – أن نسائل أنفسنا: أما آن لهذا الحبر أن يتّسع لكتابة ما هو أرحب من فظائع السياسة ودماء الحروب؟ أما آن للثقافة أن تتحرّر من أسر المعاناة وتكتب للحب، للجمال، للوجود، للخيال، وللأمل؟ ليس خيانةً لآلام الماضي أن نكتب للغد، بل خيانةٌ أن نترك الوجدان ينضب، وأن نحصر الإنسان في صورة الشهيد والمنكوب والمنفي، دون أن نرى فيه العاشق، والحالم، والمبدع، والمولَع بالحياة.
إن وجع الشعوب لا يُمحى بتكرار صور الخراب، بل بإحياء المعنى الذي يجعلها تستحق الحياة. إن الفن الحقيقي، كما قال تولستوي، ليس في أن يدوِّن المأساة، بل أن يجعلنا نراها في إنسانيتنا، ونتجاوزها بما يُعيد توازن الروح. وها نحن اليوم، بعد أن خَبَت أصوات البنادق أو انحدرت إلى صراعات عبثية، نقف أمام سؤال وجودي ملحّ: هل نملك شجاعة العودة إلى الإنسان في أبعاده الوجدانية والميتافيزيقية؟
فلنكتب عن الحب لا بوصفه ترفاً عاطفياً، بل كبُعدٍ خلاصي للذات؛ ولنحتفِ بالطبيعة لا لأنها محض مشهد أخضر، بل لأنها مرآة لسلامنا الداخلي؛ ولنُحاور المستقبل لا على أنه امتداد للخراب، بل كاحتمال ميتافيزيقي للحياة الأجمل. لنرسم العزلة دون أن نرتدّ إلى كآبتها، ونتغنّى بالغزل دون أن نُدان بتفاهته، ونتأمل الموت لا بوصفه نهاية، بل سرًّا من أسرار الزمن والكينونة.
الثقافة التي لا تنتج فناً كوميدياً ساخراً من الألم، شعراً عاشقاً يزاحم الجراح، أو تأملاً وجودياً يواجه العبث، هي ثقافة لم تخرج بعد من جبهة الحرب. أما آن لنا أن نضحك؟ أن نرقص؟ أن نغني للضوء؟ أما آن أن ننقل خطّ المواجهة من خارج الإنسان إلى داخله، من السياسة إلى الميتافيزيقا، من الشعارات إلى الشعر؟
لقد آن أوان الثورة الحقيقية: الثورة على الاستسلام لفكرة أنّ المأساة قدر لا يُقاوَم. آن للكاتب أن يكون عاشقاً لا فقط شاهداً، آن للمثقف أن يعيد وصل ما انقطع بين الفكر والوجدان، بين النبض والسؤال، بين الإنسان والممكن. فالحياة لا تنتظر أن نُنجزها حين تهدأ المدافع، بل هي تنتظر منّا أن نُعيد تشكيلها كل لحظة، بالكلمة، بالصورة، بالخيال، وبالأسئلة الكبرى: من أنا؟ ما الحب؟ ما الوجود؟ ما الحلم؟ وما الأمل؟
الكتابة عن الحب مقاومة. الغناء للطبيعة ثورة. تمثيلُ مسرحية كوميدية في قلب عالم مأزوم هو أصدق أشكال الاحتجاج على انكسارات الروح.
إنها لحظة ولادة جديدة: فلنكتبها.