في زوايا الوعي الجمعي، تسكنُ الهُويّات كالنّارِ تحتَ الرماد، لا تموتُ حقًا، ولا تحيا تماماً، بل تبقى على هيئةِ احتياطيٍّ خام، تنتظرُ الظرفَ التاريخيّ المُناسب لتنهضَ – لا كمشروعٍ للتّواصل، بل كأداةٍ للتمزيق. إنّ ما نشهده اليوم من فُجورٍ في الخطاب الهويّاتيّ، ليس طارئاً، ولا هو نبتةٌ شيطانيّة في أرضٍ طاهرة، بل هو ارتدادٌ عنيفٌ نحو البنى ما قبل الحداثيّة، حيث الطائفة والعِرق والدّين تصير أصلَ العالم، ومِقياسَ الحقّ، وسَقفَ الولاء.
ليس صحيحاً أن الطوائف والهِويّات القاتلة كانت نائمة، بل كانت في حالة كمونٍ استراتيجيّ، تُغَطّي عُريَها بـ”الأيديولوجيات الكبرى” التي لبِست لبوسَ الشمول، من قومياتٍ عابرةٍ للعرق، إلى يسارويّاتٍ عابرةٍ للطائفة، إلى ديمقراطيّاتٍ زائفةٍ ترفعُ شعار المواطن وتُخفي طبول الانتماء الأعمى.
ما إن انهارت هذه الأغطية، حتى كشفت الهُويّات القاتلة عن أنيابها، وشرعت تتكلّم لغة الفجور الصّريح: “أنا أو لا أحد”، “من ليس منّي فهو ضدّي”، “الدم لأبناء الطائفة، والآخرُ دخيل”. لقد انقلبت الهويّة من وعيٍ بالخصوصيّة إلى تعصُّبٍ يستمدّ شرعيّته من الألم والتاريخ، ليصوغ خطاباً لا يسعى للفهم، بل للإقصاء والتفجير الرمزي والمادّي.
هنا تُصبح الهويّة عقيدةً قاتلة، لا تحتمل النقاش، ولا تَقبلُ النسبيّة، ولا تُجيدُ إلّا الانغلاق والتكاثر في مستنقعات الخوف. في لحظة الانفجار، يتحوّل الهُويّاتيّ من كائنٍ اجتماعيّ إلى مشروع حربٍ مؤجَّلة، كلّ اختلافٍ بالنسبة إليه خيانة، وكلّ جدلٍ هو مساسٌ بالمقدّس.
والمفارقة أنّ كثيراً من مثقّفي الهويّة، كانوا – حتى الأمس القريب – ينظّرون باسم الحداثة والحرية والإنسان، وما إن سنحت لهم الفرصة، حتى انقلبوا على تلك المبادئ، وارتدّوا إلى خطاب العصبويّة، يُؤسّسون للفجور بخطاباتٍ “منمّقة”، تبرّر العنف بإسم “الحقّ التاريخي”، وتُؤسّس لشرعيّة القتل تحت شعار “الدفاع عن الوجود”.
هذا التحوّل يُذكّر بما أسماه الفيلسوف بول ريكور بـ”الأيديولوجيا المقلوبة”، حين تتحوّل الأفكار من وسائل للتفاهم إلى أدوات للتضليل والتعبئة. فالهويّة هنا لم تعُد ذاتاً تبحث عن الاعتراف، بل أصبحت كياناً يتضخّم بالعداوة، ويعيش على استنفار الآخر وتحقيره.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل البُعد السياسيّ: فكلّ فجورٍ هويّاتيّ تغذّيه سلطة ما، تجد في الهويّة سلاحاً لإعادة إنتاج نفسها، وتوجيه الجماهير ضدّ عدوّ مصطنع. إنّ أشدّ مظاهر الهويّة توحّشاً لا تولد من رحم الضحايا، بل تُطبخ في مطابخ السّلطة، ثم تُصدّر كوجبة خلاصٍ للشعوب المقهورة.
والمشكلة الفلسفية الأعمق هنا، أنّ الهويّة في صيغتها الفاجرة تُنكر إمكانية الإنسان في التحوّل، إذ تُثبّته في سلالةٍ لا خيار له فيها، وتُقيّده بجغرافيا ضيّقة من المعنى، وتُحاكمه وفق دمائه لا وفق أفكاره. هكذا تتهاوى فكرة الإنسان الكوني، لحساب الإنسان–الطائفة، والإنسان–العِرق، والإنسان–القبيلة.
إنّ ما نحتاجه اليوم، ليس محو الهويّات، بل نزع تفخيخها، ونقلها من خطاب الإقصاء إلى أفق الحوار، من منطق “الحقّ الأوحد” إلى منطق “الاعتراف المتبادل”، وإلّا سنبقى في حلقة جهنمية:
هويّات تُوقظ الموتى، ومثقّفون يُبرّرون الذبح باسم الحياة.





