محمود العالول… حين يصبح الصمت موقفًا، والثبات عنوانًا

بقلم : م.محمد علي العايدي

في زمن تتبدل فيه المواقف، وتعلو فيه الأصوات أكثر مما ترتفع المبادئ، يبقى محمود العالول واحدًا من الرجال الذين اختاروا أن يتحدث تاريخهم عنهم قبل كلماتهم. فهو ليس مجرد قيادي في حركة فتح، بل يمثل مدرسة نضالية تشكلت في ميادين الثورة، وصقلتها سنوات المواجهة، ورسختها تجربة طويلة من الالتزام الوطني.

عرفته فتح منذ البدايات مناضلًا حمل القضية قبل أن يحمل المنصب، وعاش تفاصيل الثورة الفلسطينية بكل مراحلها، من ساحات العمل الفدائي إلى ميادين العمل السياسي والتنظيمي. تتلمذ في مدرسة القائد الشهيد خليل الوزير “أبو جهاد”، ونهل من فكر القائد الرمز ياسر عرفات، فحمل منهما الإيمان بأن فتح ليست تنظيمًا سياسيًا فحسب، وإنما مشروع تحرر وطني يختزل حلم الفلسطينيين بالحرية والاستقلال.

لم يكن محمود العالول من أصحاب الخطابات الصاخبة، بل من الرجال الذين آمنوا بأن الإنجاز يسبق الضجيج، وأن الحكمة أبلغ من الانفعال. لذلك ارتبط اسمه بالهدوء، والاتزان، والقدرة على إدارة المواقف الصعبة دون أن يتخلى عن ثوابت الحركة أو ثوابت القضية.

ولعل ما يمنح حضوره داخل اللجنة المركزية لحركة فتح قيمة خاصة، أنه يمثل امتدادًا لجيل المؤسسين والمناضلين الذين عايشوا الثورة في أصعب ظروفها، ويحمل ذاكرة الحركة وتجربتها السياسية والكفاحية. فوجوده في قيادة الحركة لا يُنظر إليه لدى كثيرين باعتباره موقعًا تنظيميًا فقط، بل باعتباره عاملًا من عوامل الاستمرارية والحفاظ على الهوية الوطنية لفتح ومسيرتها التاريخية.

إن حركة فتح، التي كانت ولا تزال عنوان المشروع الوطني الفلسطيني، تحتاج إلى رجال يجمعون بين الخبرة، والشرعية النضالية، والقدرة على توحيد الصفوف، وهي صفات يرى كثير من أبناء الحركة أنها تجتمع في شخصية محمود العالول، بما يحمله من رصيد طويل من العمل الوطني، وما يتمتع به من احترام داخل الأطر التنظيمية وفي أوساط واسعة من الشارع الفلسطيني.

وفي لحظة وطنية تتطلب التمسك بالثوابت، تبقى قيمة الرجال تقاس بما قدموه لفلسطين، لا بما قالوه عنها. ومن هنا، فإن محمود العالول يمثل بالنسبة إلى كثيرين نموذج المناضل الذي بقي وفيًا للمسيرة التي انطلقت من أجل الحرية والاستقلال، مؤمنًا بأن فتح ستبقى رائدة المشروع الوطني الفلسطيني ما دامت متمسكة بمبادئها الأولى، وبإرث شهدائها وقادتها التاريخيين.

إن الأوطان لا تحفظها الشعارات وحدها، وإنما يحفظها الرجال الذين يصمدون عندما تتغير الرياح، ويثبتون عندما تتكاثر التحديات. ومحمود العالول، بما يمثله من تاريخ وتجربة وحضور، يبقى أحد هؤلاء الرجال الذين ارتبط اسمهم بمسيرة فتح، وسيظل جزءًا من الذاكرة الوطنية الفلسطينية التي لا تُختزل في المناصب، وإنما تُكتب بالتضحيات