في أعماق النفس الإنسانية قوى طافحة، طاقات خفية لا ترى النور إلا إذا مُنحت المسارب المناسبة. وحين تُكبت هذه القوى – وخصوصًا في النفوس التي تحمل استعدادًا إبداعيًّا – فإنها لا تموت، بل تتحوّل إلى توتّر داخلي متحفّز للانفجار، أو انحراف في الإدراك، أو اضطراب في الاستجابة. هكذا ينشأ بعض أكثر الأفراد إزعاجًا من الناحية النفسية والاجتماعية: أولئك الذين لم يُحققوا ذواتهم المبدعة، فاستحال إبداعهم غير المحقَّق إلى تضخيم وهواجس، وغلوّ في الانفعالات، وانجرافات نفسية نحو اللاشيء.
ـ عبء الطاقات غير المتحققة
الإنسان بطبعه كائنٌ متطلّع، يحمل في داخله إمكانيات تنتظر التحقق. وعندما لا يجد الإبداع طريقه إلى الممارسة، فإن الطاقة التي كان من المفترض أن تُستثمر في الرسم، أو الشعر، أو الموسيقى، أو التأمل، أو الاختراع، تنحرف عن مسارها وتصبّ في قنوات مضطربة. يصبح الإنسان حينئذ ضحية طاقته المعطلة. وهذا ما يجعل البعض يتحوّلون إلى آلات تضخيم نفسي: يصنعون من التلّ جبلاً، ومن الخطأ العابر أزمة وجود، ومن الكلمة العابرة طعنة نرجسية، ومن ملاحظة بسيطة حكاية طويلة من الاضطهاد.
ـ الافتتان بمن لا يستحق
هؤلاء الأشخاص – ذوو الطاقات المبدعة غير المتحققة – يميلون إلى نوع من العمى العاطفي؛ إذ يبالغون في الانجذاب إلى من لا يستحق، ويرون في “العابر” مخلّصًا، وفي “العادي” عبقريًا. ما يحدث هنا ليس سوى إسقاط نفسي، حيث تبحث طاقاتهم العاطفية المكبوتة عن موضوع خارجي تتعلّق به، فيتوهّمون فيه الجمال، أو العبقرية، أو الندرة، ليس لأنه كذلك، بل لأنهم لا يحتملون استمرار الشحنة النفسية داخليًا دون تصريف.
ـ الحوادث التافهة تُغدو معارك
ما كان يمكن أن يُحلّ بكلمة، يتحوّل عند هؤلاء إلى نزاع طويل. وما يُعدّ عادياً في السياق الإنساني، يغدو في نظرهم كارثة أخلاقية أو خيانة كونية. لماذا؟ لأنهم لا يتعاملون مع الواقع بصفائه كما هو، بل يحمّلونه دلالات تتجاوز الحدث ذاته. فمشاعرهم الثقيلة تبحث عن مشهد لتُفرَغ فيه، وتجد في الأشياء التافهة ذريعة مناسبة لتنفجر. هم كأنما يبحثون عن ساحة حرب رمزية لحربهم الداخلية.
ـ الدينامية الزائفة: حركة في غير محلّها
هؤلاء لا ينقصهم الدافع، بل يعانون من سوء التوجيه. إنهم يتمتعون بدينامية نفسية عالية، لكنها غير مرتبطة بالمكان المناسب. تشبه حالتهم حريقًا اندلع في غير موضعه، أو موسيقى صاخبة تُعزف في مجلس عزاء. هذه الدينامية المبالغ فيها – التي كان يمكن لها أن تُنتج إبداعًا باهرًا – تتحول إلى حالة من الهياج النفسي والاجتماعي، تُرهقهم وتُرهق من حولهم، وتفسد علاقاتهم وتُغرقهم في سوء الفهم.
ـ ما بين المأساة والعلاج
تكمن مأساة هؤلاء في أنهم لا يدركون غالبًا طبيعة ما يحدث لهم. لا يعرفون أن مشاعرهم الجارفة ليست ناجمة عن الأحداث، بل عن اختلال التناسب بين الداخل والخارج، بين ما يشعرون به وما يستحقه الواقع من رد فعل. إنهم سجناء طاقاتهم غير المصروفة، لا لشيء سوى أنهم لم يجدوا الوسيلة المناسبة لتصريفها. ولو أنّهم مارسوا الإبداع كما ينبغي، لربّما تحوّل الألم إلى عمل فنّي، والتوتّر إلى لحن، والانفعال إلى قصيدة، والحزن إلى سردٍ شفّاف.
ـ نحو وعي إنقاذي
ما تحتاجه هذه النفوس هو التفهّم أولًا، لا الإدانة. هم لا يفتعلون المبالغة قصدًا، بل يئنّون تحت ثقل طاقة لا يعرفون كيف يديرونها. الحلّ لا يكمن في إسكاتهم، بل في مساعدتهم على تحويل انفعالاتهم إلى مسارات خلاقة. يحتاجون إلى صحوة داخلية تدرك جذور الأزمة: أن ما يشعرون به أكبر من الواقع لأنهم لم يجدوا واقعًا يليق بمشاعرهم.
ـ خاتمة:
إن النفس المبدعة إذا لم تَخلق، خُلِقت عليها أوهام تُفسد عليها صفاءها. وكلّ من لم يجد لناره فتيلةً، أحرقت داخله وأحرقت من حوله. ومن لم يسلك طريق التعبير، سلك طريق التهويل. إن أعظم دواء لهؤلاء ليس التجاهل، بل الحثّ على الإبداع، وفتح النوافذ لطاقة كان يمكن لها أن تُنير، لكنها بقيت حبيسةً فانفجرت في غير محلّها. فالمجتمع الذي لا يمنح الفرص للتعبير، يُنتج النفوس المتورمة بالمبالغة، المصابة بهشاشة المعنى.





