– الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني
منذ العام 1996 (على الأقل) لم تتغير مفردات الخطاب حول مسألة انتخابات الكنيست سواء عند من يؤيدون الذهاب في هذا الطريق (وانا منهم) او عند المطالبين بعدم المشاركة، وانا احترم اجتهادهم، وإن كنت ارفض أساليب ادارتهم لهذا الاختلاف التي خرجت عن الاختلاف المحمود الى الاختلاف المذموم شكلا ومضمونا…..
نحوٌ من ثلاثين عاما من النقاش تقريبا كانت كافية لفهم حقيقة واحدة بسيطة تُحوِّل النقاش مع “عبثي” لا جدوى منه، الى رافعة تعزز العمل الوحدوي ولكن بطريقة أكثر تطورا..
أولا، يجب ان نتوقف عن النقاش حول الموضوع بعد ان لم تنفع نقاشات ثلاثة عقود، ونستبدلها بشعار بسيط: نلتقي حول ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، فلا انتقاد من الان فصاعدا لهذا تجاه ذاك، او لذاك تجاه هذا.. نتفق على احترام الاجتهادات المختلفة دونما تبخيس او تسفيه، ودونما تخوين او تكفير او تطاول.. احترام متبادل، ولكل مجتهد نصيب.. نقطة اول السطر..
ثانيا، الواقع يقول ان مسارات النضال المتاحة لنا كمجتمع عربي فلسطيني هنا في اسرائيل محدودة بشكل عام: لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، اللجنة القطرية لرؤساء البلديات والمجالس العرب (الحكم المحلي)، الكنيست، منظمات المجتمع الاهلي، الاحزاب والحركات.. اما ادوات هذا الفعل العربي الفلسطيني في الداخل فيمكن تلخيصه في: الاعلامي، القانوني، السياسي، الشعبي، الدولي.. الخ.. أما التحديات التي تواجهنا فثلاث: وجودي وهوية وحقوق..
ثالثا، المطلوب في هذه الحالة وبناء على الوصف الذي ذكرت، ان ينطلق المجتمع العربي بكل طاقته على جميع المسارات من خلال التفعيل الكامل والاقصى لكل المكونات والاستثمار الاوسع لكل الأدوات، من خلال تناغم بين المسارات ومن يعمل في اطارها من اجل تحقيق المكاسب التراكمية على جميع مساراتها مجتمعة، وهذا هو التحدي الكبير..
رابعا، الحركة الاسلامية – والحمد لله – تعتبر رائدة في استثمار كل هذه المسارات وتفعيل كل الاليات منفردة فيما اختصت به، وكجزء من عمل جماعي فيما تدعو اليه ضرورة العمل الوحدوي مع الشركاء في الوطن والمسير والمصير من اطياف مجتمعنا المختلفة.. الحركة الاسلامية تعمل في خدمة مجتمعها والمجتمع الفلسطيني والعربي والاسلامي محليا واقليميا ودوليا، على عشرات المسارات التي تخصصت بها: الدعوي، الفكري، الثقافة والتربية، الاغاثي، الصحي، الأكاديمي، الوطني (فلسطين، القدس، الاقصى والمقدسات)، المرأة، الإعلامي، القانوني، الحكم المحلي، التطوعي، الفني.. الخ.. عملت الحركة على هذه المسارات قبل الكنيست وما زالت تعمل على هذه المسارات بكل طاقتها مع وجود مسار الكنيست الذي اضيف اليها عام 1996، ولم يحصل ان توقفت عن العمل على كل المسارات بسبب دخول هذا المسار الجديد..
العكس هو الصحيح، ازداد زخم العمل كما لو اننا لسنا في الكنيست ابدا.. اضافة الى هذه المسارات التي تخصصت فيها، لم تتردد في الانخراط في العمل الجماعي الذي يفرض عليها التعاون مع شركاء الوطن، فهي جزء من شعب، ولجنة متابعة، واللجنة القطرية للرؤساء، ولها مؤسسات المجتمع الاهلي، وهي ايضا جزء من العمل السياسي برلمانيا كان أو غيره، فحركتنا الاسلامية جزء من هذه المؤسسات الوطنية وعضو فاعل فيها لا تتردد في ان تكون مع شركائها كتفا مع كتف ويدا بيد من اجل خدمة قضايانا الكبرى، تشتغل بالسياسة وتنشغل بها على حد سواء دونما افراط او تفريط..
خامسا، التحدي الكبير الذي يواجهنا كمجتمع عربي تولدت بسببه تحديات حقيقية ومخاطر جدية….. إنه التحرر من النظرة التنافسية بين الشركاء في الوطن والتي كثيرا ما تدفع الى حالات وصور من التناحر على مناطق النفوذ، والانتقال منها الى النظرة التكاملية على قاعدة ان اطياف مجتمعنا ليست متنافسة فيما بينهما، لكنها موحدة بكل اجتهاداتها في مواجهة جلادها المعروف للجميع……
سادسا وأخيرا، اعتقد انا كمجتمع عربي فلسطيني في الداخل بكل اطيافه وفصائله والوانه، وكشعب فلسطيني في كل اماكن تواجده في الوطن والشتات، نواجه جميعا خطرا غير مسبوق تشكله حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش الأكثر تطرفا وفاشية… لن تستطيع لا الدول العربي والإسلامية ولا المجتمع الدولي ومؤسساته ان تنهي دور هذه الحكومة وتقتلعها من جذورها…… من يستطيع فعل ذلك هو نحن المجتمع العربي الفلسطيني بسلاح نافذ لا يكلفنا جهدا ولا مالا…….. انه ممارسة حق التصويت في الانتخابات العامة الوشيكة.. لذلك، ان كان مقبولا في الماضي ان يتبنى بعض أوساط في شعبنا “المقاطعة” لانتخابات الكنيست لأسبابها، فاليوم وعلى ضوء خطر هذه الحكومة فلا يمكن ان يُقبل عُذرٌ من احد مهما كان إن استمر في الدعوة الى المقاطعة……. المقاطعة في هذا الظرف هي انتحار سياسي، وتتويج لحكومة نتنياهو الفاشية من جديد، الامر الذي لا يمكن ان يحتمله صاحب ضمير حي…
لن نصل الى هذه النتيجة الا إذا بدانا فورا بإعلان المصالحة الوطنية فيما بيننا على قاعدة الالتفاف حول المشتركات وهي الاكثر، والاعذار فيما اختلفنا فيه وهو الاقل.
فهل هذا مستحيل، وهل هذا الطلب تعجيزي؟!!..
ارجو ان المس ثمار ما نصحت به على ارض الواقع من الان فصاعدا، والبداية التوقف الفوري عن توجيه الاتهامات المتبادلة في موضوع انتخابات الكنيست التي بدا ينحو منحىً لا يجدي ولا يقدم لمجتمعنا شيئا، بل يزيد في الاحتقان والاستقطاب الضار وغير المفيد، خصوصا وان كل ما يمكن ان يقال فيه قد قيل، ولم يبق الا ان نترك الحديث في هذا الموضوع من المؤيدين والمعارضين جانبا..