ليست الجغرافيا، في معناها العميق، خرائطَ وحدودًا، ولا تضاريسَ ومناخًا، ولا مجرد وعاءٍ محايدٍ تجري فوقه وقائع التاريخ؛ إنها كيانٌ حيٌّ تتراكم في طبقاته الذاكرة، وتتداخل في نسيجه اللغة والأسطورة والاقتصاد والعمران وأنماط العيش، حتى يغدو المكان منتجًا للمعنى بقدر ما هو منتجٌ للعمران. ومن هنا لا يعود السؤال: لماذا يولد المبدع هنا ولا يولد هناك؟ سؤالًا عارضًا، بل يتحول إلى سؤال أنثروبولوجي وفلسفي يمسّ العلاقة الخفية بين الإنسان وحيزه الوجودي، وبين الثقافة وفضائها الذي تتنفس فيه.
لقد درج الفكر الحديث على ردّ الإبداع إلى جملة من العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية، وهي عوامل لا مراء في أهميتها، إذ يصعب تصور نهضة أدبية في مجتمعٍ يسوده القمع، أو تنتشر فيه الأمية، أو تغيب عنه مؤسسات الثقافة. غير أن هذه المقاربة، على ضرورتها، لا تستنفد الظاهرة، إذ تبقى عاجزة عن تفسير ذلك التفاوت اللافت بين مناطق تتشابه في أنظمتها السياسية، ومناهجها التعليمية، وبنيتها الدينية، ومستوياتها الاقتصادية، ثم تختلف اختلافًا بيّنًا في عدد مبدعيها ونوعية إنتاجهم.
من هنا يبرز مفهوم عبقرية المكان، لا بوصفه تعبيرًا شاعريًا، بل بوصفه فرضيةً ثقافيةً تستحق التأمل. وليس المقصود بها أن للجغرافيا جيناتٍ بيولوجية تصنع الأدباء، وإنما أن للمكان بنيةً رمزيةً وثقافيةً متراكمة، تؤثر في تشكيل الحساسية الجمالية والخيال الجمعي، وفي إنتاج ما يمكن تسميته «الاستعداد الثقافي للإبداع».
لقد كان ابن خلدون من أوائل من تنبهوا إلى أثر البيئة والعمران في تكوين الإنسان. فالعمران عنده ليس تجمعًا سكانيًا فحسب، بل نسقًا اجتماعيًا تنتظم فيه المعارف والقيم والعلاقات، وتتحدد داخله طبائع البشر وطرائق تفكيرهم. ولذلك لم يفصل بين ازدهار العلوم وازدهار العمران، لأن المعرفة، في نظره، لا تنمو في الفراغ، وإنما تحتاج إلى بيئةٍ حاضنة، وإلى فائضٍ من الاستقرار يسمح للعقل أن ينتقل من هموم البقاء إلى أسئلة الإبداع.
وفي العصر الحديث، أعاد المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل الاعتبار للجغرافيا، لكنه تجاوز التفسير الطبيعي المباشر، فرأى أن المكان يعمل بصمتٍ عبر القرون، فيصوغ الاقتصاد، ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، ويترك بصماته العميقة في الوعي الجمعي. فالجغرافيا، عنده، ليست خلفيةً للتاريخ، بل أحد مؤلفيه الكبار.
أما الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار فقد نقل المكان من حيز المادة إلى حيز الشعر، فرأى أن البيوت والأزقة والجبال والأنهار ليست أشياء خارجية، وإنما مستودعات للذاكرة والخيال. ولذلك فإن الكاتب لا يصف المكان، بل يستعيد ذاته عبره، لأن المكان يسكن الإنسان قبل أن يسكنه الإنسان.
ويذهب مارتن هايدغر إلى أن الإنسان لا يوجد أولًا ثم يسكن، بل يسكن أولًا، ومن السكن تنبثق هويته ورؤيته للعالم. فالمكان ليس إطارًا خارجيًا، بل هو أحد شروط الوجود الإنساني نفسه، ولذلك فإن الإبداع، في جوهره، هو أحد أشكال إقامة الإنسان في العالم.
ولعل هذا ما يفسر ظاهرةً طالما استوقفت الباحثين: لماذا تتحول بعض المدن والقرى إلى ينابيع متدفقة للأدباء والشعراء، بينما تبقى مناطق أخرى، على الرغم من تقارب الظروف العامة، أقل إنتاجًا؟ إن السر لا يكمن في الصخور ولا في الأنهار، بل في التاريخ الثقافي المتراكم. فكل مكان يحمل ذاكرته الخاصة، وهذه الذاكرة تنتج لغةً، واللغة تنتج خيالًا، والخيال يلد الأدب.
وليس من قبيل المصادفة أن تصبح مدن بعينها مراكز للإبداع عبر أزمنة متعاقبة. فبغداد، وقرطبة، والقاهرة، ودمشق، لم تكن عواصم سياسية فحسب، بل مختبرات حضارية تفاعلت فيها اللغات، والأسواق، والمدارس، وحلقات العلم، وحركات الترجمة، فتولد منها مناخ ثقافي كثيف، جعل إنتاج المعرفة جزءًا من الحياة اليومية.
وفي الجزائر، كما في غيرها من البلدان العربية، يلحظ الباحث أن بعض المناطق أنجبت أجيالًا متعاقبة من الشعراء والروائيين والفنانين، في حين بقيت مناطق أخرى أقل حضورًا في المشهد الثقافي، رغم اشتراك الجميع في الدولة نفسها، والتعليم نفسه، والإطار الديني نفسه. وهذا يدفعنا إلى تجاوز التفسيرات التبسيطية، والبحث في ما يمكن تسميته «الرأسمال الثقافي للمكان»، وهو المفهوم الذي يقترب من تصور عالم الاجتماع بيير بورديو، حين رأى أن المجتمعات لا توزع الثروة المادية وحدها، بل توزع أيضًا الثروة الرمزية، وأن بعض البيئات تمتلك رصيدًا ثقافيًا متراكمًا يجعلها أكثر قدرة على إعادة إنتاج النخب الفكرية.
ومن زاوية أنثروبولوجية، لا يعيش الإنسان داخل الطبيعة وحدها، بل داخل منظومة من الرموز والأساطير والطقوس والحكايات. وهنا نستحضر أفكار عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس الذي رأى أن الثقافة هي النظام الذي يمنح العالم معناه. فالمكان الذي تتوارث أجياله الحكاية، وتحافظ ذاكرته على الأغنية، ويظل فيه المجلس الشعبي فضاءً للحوار، ينتج خيالًا مختلفًا عن مكانٍ فقد صلته بتراثه الشفهي.
ويضيف إرنست كاسيرر بعدًا آخر حين يرى أن الإنسان «حيوان رامز»، يعيش داخل شبكة من الرموز أكثر مما يعيش داخل الطبيعة. وعليه، فإن المكان لا يؤثر في الإنسان بجباله وسهوله فحسب، بل بما يختزنه من رموز ومعانٍ وأسماء وأساطير، تتحول جميعها إلى مادة خام للإبداع.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم أطروحات إدوارد سعيد حول علاقة المكان بالهوية، إذ لا يكون المكان مجرد جغرافيا، بل سرديةً كبرى تصوغ الوعي الفردي والجماعي. فالكاتب يحمل وطنه في لغته، حتى وإن ابتعد عنه آلاف الكيلومترات.
ولعل من أعمق التصورات في هذا السياق ما نجده عند المفكر المغربي عبد الله العروي، الذي كان يرى أن التاريخ والثقافة يصنعان شروط النهضة أكثر مما تصنعها الصدف الفردية، وأن أي نهضة فكرية لا بد أن تستند إلى تراكم ثقافي طويل.
إن ما نسميه مجازًا «جينات الجغرافيا» ليس سوى التراكم البطيء لذاكرة المكان؛ المدارس العريقة، والزوايا، والمكتبات، والمقاهي الثقافية، والصالونات الأدبية، والأسواق، والأغاني الشعبية، واللهجات، والحكايات، وشخصيات الأسلاف الذين تحولوا إلى نماذج ملهمة للأجيال اللاحقة. فالمكان الذي يعتاد أبناؤه رؤية الكاتب موضع احترام، تختلف فرصه في إنتاج الكتّاب عن مكان لا يحظى فيه الفكر بقيمة اجتماعية.
ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن الجغرافيا قدرٌ مغلق، أو أن الإبداع حكر على أمكنة بعينها. فالجغرافيا ليست سجنًا، وإنما إمكانية. وما يبدو اليوم فقرًا ثقافيًا، يمكن أن يتحول غدًا إلى بؤرة إشعاع إذا توافرت له المدرسة الحرة، والجامعة الحية، والمكتبة، والمسرح، وحرية التفكير، وسياسات ثقافية تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أسمى أشكال الاستثمار.
إن الإبداع ليس ابن العبقرية الفردية وحدها، ولا ابن المجتمع وحده، ولا ابن الجغرافيا وحدها، بل هو ثمرة ذلك التفاعل الخلاق بين الإنسان والمكان، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين اللغة والحرية. وحين يبلغ هذا التفاعل ذروته، يتحول المكان من مساحة جغرافية إلى فضاء رمزي يكتب أبناءه، كما يكتب الأبناء تاريخه.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تنجب بعض الأمكنة الأدباء؟ بل: كيف نبني أمكنةً تجعل الإبداع جزءًا من بنيتها العميقة؟ لأن الأمم التي تنجح في تحويل جغرافيتها إلى ثقافة، وثقافتها إلى وعي، ووعيها إلى مشروع حضاري، هي وحدها القادرة على أن تجعل من كل مدينةٍ منارة، ومن كل قريةٍ بدايةً محتملة لعبقرية جديدة.