أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” تقدير موقف استراتيجياً جديداً أعدّه د. صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية “حشد”، بعنوان: “الانتخابات الفلسطينية بين استحقاق التجديد الديمقراطي ومعركة إعادة تشكيل النظام السياسي”، تناول أخطر التحديات والرهانات المرتبطة بالمسار الانتخابي الفلسطيني في ظل التحولات الوجودية التي تمر بها القضية الفلسطينية، وما يحيط بهذا المسار من فرص ومخاطر على مستوى الشرعية الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
وأكد د. صلاح عبد العاطي، من خلال الورقة، أن الانتخابات الفلسطينية المرتقبة لم تعد مجرد استحقاق دستوري مؤجل أو عملية إجرائية لتجديد مؤسسة تشريعية، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وطبيعة المشروع الوطني، وشكل العلاقة بين الشعب الفلسطيني ومؤسساته التمثيلية، في مرحلة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لأخطر محاولات إعادة التشكيل منذ عقود.
وأوضح د. صلاح أن الورقة تنطلق من أن البيئة السياسية التي ستجري فيها الانتخابات ليست بيئة طبيعية، بل تحكمها ثلاثة محددات كبرى، أولها استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما خلفته من كارثة إنسانية ودمار واسع ومحاولات لإعادة تعريف مستقبل القطاع وعلاقته بالضفة الغربية والقضية الفلسطينية ككل، وثانيها تصاعد مشروع الضم والاستيطان والتهويد في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وثالثها وجود محاولات إقليمية ودولية لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني تحت عنوان “اليوم التالي” بما يختزل القضية في إدارة الأوضاع الأمنية والاقتصادية والإنسانية من دون معالجة جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والاستعمار الاستيطاني وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وشدد د. صلاح عبد العاطي على أن الورقة تؤكد أن الانتخابات تمثل في الوقت نفسه فرصة ومخاطرة؛ فهي فرصة لتجديد الشرعية الشعبية، وإعادة بناء المؤسسات، وفتح المجال أمام أجيال جديدة وطاقات وطنية لم تجد طريقها إلى مواقع القرار، وإنهاء حالة الجمود التي أصابت النظام السياسي الفلسطيني، لكنها تصبح مخاطرة إذا تحولت إلى عملية انتخابية محدودة الوظيفة تقتصر على إعادة ترتيب المواقع داخل السلطة القائمة أو إعادة إنتاج التوازنات التقليدية أو منح شرعية جديدة لبنية سياسية تعاني من أزمة عميقة في التمثيل والوظيفة والدور.
وبيّن رئيس “حشد” أن الورقة تشدد على أن الأزمة الفلسطينية الراهنة أعمق من مجرد غياب الانتخابات، وأن جذورها تمتد إلى طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ذاته، الذي نشأ بعد اتفاق أوسلو باعتباره نظاماً انتقالياً مؤقتاً، ثم تحول بمرور الوقت إلى حالة دائمة من دون تحقيق السيادة أو إنهاء الاحتلال. كما تؤكد الورقة أن هذا المسار أفرز سلسلة من الاختلالات البنيوية، من بينها أزمة الشرعية الناتجة عن تعطيل الانتخابات، وأزمة التمثيل الوطني، وأزمة الانقسام السياسي والجغرافي، وأزمة تجديد النخب، وأزمة وظيفة السلطة الفلسطينية بين كونها أداة انتقالية نحو الدولة أو جهازاً لإدارة السكان تحت الاحتلال.
وأوضح د. صلاح أن الورقة تذهب إلى أن الانتخابات لا يمكن فصلها عن معركة إعادة تشكيل القضية الفلسطينية، فالحرب على غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كشفت عن صراع على مستقبل الوجود الفلسطيني نفسه، في ظل اتجاه إسرائيلي يسعى إلى فصل غزة عن الضفة، وإضعاف وحدة الشعب الفلسطيني، ومنع قيام مركز سياسي فلسطيني موحد، وتحويل القضية من قضية تحرر وطني وحقوق غير قابلة للتصرف إلى ترتيبات إنسانية وإدارية.
وأكدت الورقة أن المصلحة الوطنية الفلسطينية تتطلب إعادة بناء نظام سياسي قادر على التعامل مع المرحلة الجديدة باعتبارها مرحلة تحرر وطني وصراع على الحقوق، لا مجرد مرحلة لإدارة أزمة متراكمة. وشددت على أن السؤال الحقيقي لم يعد هل يحتاج الشعب الفلسطيني إلى الانتخابات، لأن الانتخابات حق ديمقراطي ووطني لا يجوز تعطيله، بل أي انتخابات نريد، وما الوظيفة الوطنية التي ينبغي أن تؤديها في هذه المرحلة التاريخية، وهل ستكون مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي وتعزيز القدرة على مواجهة الاحتلال ومشاريع تصفية القضية، أم مجرد أداة لإدارة أزمة داخل نظام فقد كثيراً من عناصر الفاعلية والشرعية.
كما أوضح د. صلاح عبد العاطي أن الورقة تحذر من اختزال الديمقراطية في صندوق الاقتراع فقط، مؤكدة أن الانتخابات لا تكون ذات معنى ما لم ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل حرية العمل السياسي، واستقلال القضاء، واحترام القانون، وحرية التعبير والتنظيم، وتكافؤ الفرص، واحترام النتائج، ومشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني. وتؤكد الورقة أن إجراء انتخابات دون معالجة هذه الشروط قد يقود إلى نتائج عكسية، بحيث تصبح الانتخابات أداة شكلية لإعادة إنتاج الأزمة السياسية بدلاً من أن تكون مدخلاً لحلها.
وفي قراءتها للمرسوم الانتخابي، أوضحت الورقة أن المسار القائم يطرح إشكاليات جدية، خاصة مع الاتجاه نحو إجراء انتخابات تشريعية بمعزل عن الانتخابات الرئاسية في المرحلة الأولى، بما قد ينتج شرعية جزئية لمؤسسة واحدة من دون معالجة أزمة شرعية مؤسسة الرئاسة، أو طبيعة العلاقة بين الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي، أو العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وشددت الورقة على أن الانتخابات المطلوبة وطنياً ليست مجرد انتخابات لمجلس تشريعي، بل عملية إعادة تأسيس للعلاقة بين الشعب ومؤسساته، ضمن رؤية سياسية واحدة تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني.
وأشار د. صلاح إلى أن الورقة تتناول أيضاً التعديلات التي طالت النظام الانتخابي، مثل رفع نسبة تمثيل المرأة، وخفض سن الترشح والاقتراع، وتوسيع فرص مشاركة الشباب، وخفض نسبة الحسم، وزيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، معتبرة أن هذه التعديلات تحمل من حيث المبدأ جوانب إيجابية تتصل بتوسيع المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة التمثيل. لكنها في الوقت ذاته تحذر من أن هذه التعديلات قد تؤدي، في غياب رؤية وطنية جامعة، إلى تفتيت الخارطة السياسية، وإضعاف قدرة المجلس على تشكيل أغلبية واضحة، وتعزيز الطابع الفردي والمحلي على حساب البرامج الوطنية.
وبيّن رئيس الهيئة الدولية “حشد” أن الورقة تطرح سؤالاً مركزياً حول ما إذا كانت التعديلات الانتخابية الراهنة ستقود إلى ديمقراطية أوسع أم إلى تفتيت سياسي أكبر، مؤكدة أن المشكلة ليست في التعديلات التقنية ذاتها، بل في غياب الإطار السياسي الذي يحدد وظيفتها. كما تحذر الورقة من استمرار القيود السياسية على الترشح ومن ضعف استقلال القضاء واختلال توازن السلطات، بما قد يُبقي أدوات التحكم الأساسية خارج المؤسسة المنتخبة حتى لو جرت الانتخابات.
وأكد د. صلاح عبد العاطي أن أخطر ما تطرحه الورقة يتمثل في مسألة “إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني”، موضحاً أن الفرق كبير بين إعادة بناء ديمقراطية للنظام تقوم على التوافق الوطني، والمشاركة الشعبية، والانتخابات الشاملة، وإصلاح منظمة التحرير، وتوسيع التمثيل، وبين إعادة ترتيب إداري للنظام يقوم على إعادة توزيع المناصب وضبط موازين القوى وإنتاج مؤسسات أكثر قابلية للإدارة مع إبقاء مركز القرار خارج المساءلة الشعبية. وشددت الورقة على أن الخطر يكمن في أن تتحول عملية الإصلاح إلى مجرد إعادة إنتاج للنظام بأدوات جديدة.
كما أوضح د. صلاح أن الورقة تشدد على أن الانتخابات التشريعية، رغم أهميتها، لا تحل بمفردها سؤال التمثيل الوطني، لأن المجلس التشريعي يمثل سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بينما يفترض بالمجلس الوطني ومنظمة التحرير أن يجسدا تمثيل الشعب الفلسطيني أينما وجد. ولذلك تؤكد الورقة أن أي إعادة بناء حقيقية للنظام السياسي يجب أن تتعامل بجدية مع ملف منظمة التحرير، وأن تطوير آليات مشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات، عبر التسجيل الانتخابي الموحد والتصويت الإلكتروني الآمن والتصويت عن بعد وآليات الرقابة المستقلة، بات ضرورة لترجمة وحدة الشعب الفلسطيني إلى واقع مؤسساتي.
وتناولت الورقة خريطة الفاعلين الأساسيين في المسار الانتخابي، مبيّنة أن السلطة الفلسطينية تنظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لتجديد جزء من الشرعية واستعادة القدرة على العمل السياسي، لكنها في الوقت ذاته تسعى للحفاظ على توازنات النظام القائم. كما أوضحت أن حركة “فتح” تواجه تحديات التجديد التنظيمي والخطاب السياسي، وأن حركة “حماس” تدخل الانتخابات في بيئة تختلف جذرياً عن انتخابات 2006، بينما تقف الفصائل الأخرى والشباب والمستقلون والمجتمع المدني أمام تحديات التأثير والتنظيم والتمويل، في حين يبقى الاحتلال الإسرائيلي الفاعل الأكثر تأثيراً عبر سيطرته على القدس والحركة والاعتقالات ومنع النشاط السياسي.
وشددت الورقة على أن الانتخابات القادمة ليست مجرد منافسة بين قوائم وبرامج، بل ساحة صراع على مستقبل النظام السياسي ووظيفته، في ظل تداخل صراعات تتعلق بالشرعية الداخلية، وطبيعة النظام السياسي، وتمثيل الشعب الفلسطيني، ومستقبل القضية الفلسطينية نفسها في مواجهة محاولات تحويلها إلى ملف إدارة سكان واقتصاد وأمن.
وفي هذا السياق، أوضحت الورقة أن السيناريوهات المطروحة تشمل إجراء انتخابات تشريعية منفردة وفق المسار القائم، أو إجراء انتخابات وطنية شاملة ومتزامنة، أو تأجيل الانتخابات، أو الذهاب إلى انتخابات منقوصة أو مجتزأة في حال غياب القدس أو غزة أو ضعف مشاركة الشتات. ورجحت الورقة أن الانتخابات التشريعية المنفردة هي المسار الأكثر احتمالاً، لكنها شددت على أن هذا السيناريو قد يكون خطوة محدودة إلى الأمام من دون أن يعالج الأزمة البنيوية، فيما يبقى الخيار الأفضل وطنياً هو الانتخابات الشاملة والمتزامنة، رغم صعوبة تحقيقه في ظل الظروف الحالية.
وأكد د. صلاح عبد العاطي أن الورقة لا تكتفي بعرض المخاطر، بل تقدم بدائل سياسية أمام القوى الوطنية، من بينها المقاطعة، أو المشاركة غير المشروطة، أو المشاركة المشروطة بالإصلاح، أو بناء قوائم وطنية تجديدية عابرة للاستقطاب. وشددت الورقة على أن البديل الأكثر واقعية وفاعلية يتمثل في المشاركة الوطنية الواعية عبر قوائم إصلاحية تضم شخصيات مستقلة، وشباباً، ونساءً، وكفاءات قانونية واقتصادية ومجتمعية، وشخصيات وطنية من مختلف الاتجاهات، بما يسمح بتجاوز الاستقطاب الثنائي، والدفع باتجاه حماية الحقوق والحريات، وإصلاح المؤسسات، ومكافحة الفساد، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المشروع الوطني.
كما أوضحت الورقة خارطة طريق وطنية قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، تبدأ بالدعوة إلى حوار وطني حقيقي يعالج الأسئلة الكبرى المتعلقة بطبيعة المرحلة المقبلة، ووظيفة السلطة، وإعادة بناء منظمة التحرير، وإنهاء الانقسام، والبرنامج الوطني القادر على حماية الحقوق الفلسطينية. كما شددت على ضرورة توفير ضمانات سياسية وديمقراطية تشمل وقف الاعتقالات السياسية، وحماية حرية التعبير والتنظيم، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية استقلال القضاء، واحترام نتائج الانتخابات مسبقاً، إلى جانب الضغط من أجل أكبر قدر ممكن من التزامن بين الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني.
وأكدت الورقة كذلك على أهمية حماية نزاهة العملية الانتخابية عبر استقلال لجنة الانتخابات المركزية، والرقابة الوطنية والدولية، وشفافية التمويل، ومنع استخدام موارد السلطة، وضمان حرية الإعلام، وتوفير آليات طعن قضائية مستقلة. وشددت على ضرورة تحويل الانتخابات إلى معركة برامج ورؤى، بحيث ينتقل النقاش من سؤال من يفوز بالمقاعد إلى سؤال ما المشروع الذي سيحمله الفائزون، وخاصة في ملفات مواجهة الاحتلال، وحماية القدس، وإعادة إعمار غزة، وإنهاء الانقسام، والإصلاح الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، واستقلال القضاء، والحريات العامة.
وفي ختام الورقة، أكد د. صلاح عبد العاطي أن الانتخابات الفلسطينية القادمة ليست حلاً جاهزاً للأزمة، لكنها قد تصبح جزءاً من الحل إذا جرى تحويلها إلى مدخل لإعادة بناء القدرة الوطنية الفلسطينية. وشددت الورقة على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في إجراء الانتخابات بحد ذاته، بل في إجراء انتخابات لا تغيّر شيئاً في بنية النظام السياسي ولا في قواعد إنتاج القرار، بينما تكمن الفرصة في تحويل هذا الاستحقاق، رغم محدوديته، إلى بداية مسار وطني جديد يعيد الاعتبار للشرعية الشعبية، ويعزز الوحدة الوطنية، ويحصّن القضية الفلسطينية في مواجهة محاولات التفكيك وإعادة الهندسة السياسية.