لا أحد رأى لحظة البيع…
فالإنسان لا يبيع ظله في الأسواق.
ولا يعلّق عليه ثمنًا.
ولا يكتب له عقدًا.
كل ما في الأمر…
أنه، في صباحٍ يشبه كل الصباحات، قال الحقيقة…
فخسر.
وفي صباحٍ آخر…
أخفى نصف الحقيقة…
فربح.
ومنذ ذلك اليوم…
بدأ الظل يبتعد عنه خطوةً واحدة.
ولم ينتبه.
ثم باع كلمةً كان يجب أن يقولها.
فابتعد الظل خطوةً أخرى.
ثم صافح من لا يحترم.
وسكت حيث كان يجب أن يتكلم.
وتكلم حيث كان يجب أن يصمت.
وابتسم في وجه الباطل…
وكان الظل…
يتراجع بصمت.
لا يعاتبه.
ولا يلعنه.
كان فقط…
يبتعد.
حتى جاء اليوم الذي وقف فيه الرجل أمام المرآة…
فلم يرَ خلفه أحدًا.
ارتبك.
التفت يمينًا…
ويسارًا…
ثم خرج إلى الشمس مسرعًا.
كان يظن أن الشمس هي التي خانته.
ولم يكن يعلم…
أن الشمس لا تخون أحدًا.
الذي خانه…
كان ذلك الرجل الذي يسكن داخله.
في هذا الوطن…
رأيت كثيرين فقدوا أموالهم.
فعوضهم الزمن.
ورأيت كثيرين فقدوا مناصبهم.
فنسيهم الناس.
لكنني لم أرَ، طوال عمري…
رجلًا استعاد ظله…
بعد أن أقنع نفسه أن بيعه كان ضرورة.
فالظل لا يترك صاحبه لأنه أخطأ.
ولا لأنه تعثر.
ولا لأنه انهزم.
الظل يرحل…
حين يكتشف أن صاحبه لم يعد يخجل من نفسه.
تلك هي اللحظة التي لا يسمعها أحد.
ولا تراها الكاميرات.
ولا تكتبها الصحف.
لكنها…
أعظم لحظة سقوط في حياة الإنسان.
ومنذ ذلك اليوم…
كلما رأيت رجلًا يركض خلف المناصب…
لم أنظر إلى وجهه.
كنت أنظر إلى الأرض.
فإن وجدت ظله يمشي معه…
اطمأن قلبي.
وإن لم أجده…
أدركت أن الرجل وصل إلى كل شيء…
إلا إلى نفسه.