حين أعلن الرئيس محمود عباس موعد الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، لم يكن ذلك مجرد إعلان لاستحقاق انتخابي جديد، بل كان إعلاناً عن مرحلة وطنية مفصلية، تتطلب من الجميع الارتفاع إلى مستوى المسؤولية، وفي مقدمتهم أبناء حركة فتح، الحركة التي لم تولد في موسم انتخابي، ولم تُبنَ من أجل مقعد أو منصب، وإنما وُلدت من رحم المعاناة، وتعمدت بدماء الشهداء، وكتبت تاريخها ببطولات الأسرى وصمود الجرحى، وحملت القضية الفلسطينية إلى العالم عندما حاول كثيرون طمس هويتها.
إن فتح ليست تنظيماً عادياً يمكن أن تهزه المصالح الشخصية، وليست اسماً يُستخدم لتحقيق الطموحات الفردية، بل هي مدرسة وطنية صنعت الهوية السياسية للشعب الفلسطيني، وقادت مسيرته لعقود طويلة، وكانت ولا تزال العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركة اليوم ليس قوة خصومها، وإنما أن ينسى بعض أبنائها أن فتح أكبر من الجميع، وأن الموقع زائل، بينما يبقى التاريخ شاهداً على المواقف.
من المؤسف أن نشاهد من يفكر بتشكيل قوائم خارج القرار التنظيمي، وكأن الانتخابات معركة بين أبناء الحركة أنفسهم، لا معركة لإثبات قوة فتح وحضورها وثقة جماهيرها بها. إن مثل هذا السلوك، مهما كانت مبرراته، لا يوجه رسائله إلى قيادة الحركة فقط، بل يبعث برسالة سلبية إلى الجماهير، ويمنح خصوم فتح فرصة لاستثمار أي تشتت أو انقسام.
لقد دفعت فتح ثمناً باهظاً لتبقى موحدة. آلاف الشهداء لم يسألوا عن موقع تنظيمي، وآلاف الأسرى لم يضحوا من أجل مقعد، وأجيال كاملة حملت راية الحركة لأنها آمنت أن فتح فكرة قبل أن تكون تنظيماً، ورسالة قبل أن تكون مؤسسة، ووطن قبل أن تكون سلطة.
إن الاختلاف داخل الحركة أمر طبيعي، بل هو دليل حيوية عندما يُدار بالحوار والمؤسسات. أما تحويله إلى قوائم متنافسة خارج القرار التنظيمي، فهو يضعف الحركة ويستنزف رصيدها الشعبي، ويشتت أصوات أبنائها في لحظة تحتاج فيها إلى أعلى درجات التماسك.
اليوم، وفي ظل ما يتعرض له شعبنا في قطاع غزة من مآسٍ، وما تواجهه القدس من محاولات فرض الأمر الواقع، وما تعانيه الضفة الغربية من تضييق واستهداف، لا يملك أحد رفاهية الانشغال بمعارك المواقع. فالمشهد الفلسطيني يفرض على الجميع أن يقدموا مصلحة الوطن والحركة على أي اعتبار شخصي.
إن عظمة فتح لم تأتِ من كثرة قياداتها، بل من قدرتها على تجاوز خلافاتها عندما كانت فلسطين تناديها. وكانت دائماً، في اللحظات المفصلية، تنتصر للفكرة على الشخص، وللوطن على المصلحة، وللوحدة على الانقسام.
ولهذا، فإن الواجب الأخلاقي والتنظيمي والوطني يقتضي من كل فتحاوي أن يتذكر أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بما يناله من موقع، وإنما بما يقدمه للحركة عندما تحتاج إليه. فمن السهل أن يترشح الإنسان لنفسه، لكن الأصعب والأشرف أن ينتصر لفتح حتى وإن لم يكن اسمه في مقدمة القائمة.
إن جماهير فتح لا تنتظر من أبنائها مزيداً من الانقسام، بل تنتظر منهم القدوة، والانضباط، والالتزام، والوفاء لتاريخ الحركة. فهذه الجماهير تعرف جيداً أن فتح كانت دائماً أكبر من الأشخاص، وأن من يصنع المجد ليس الباحث عن المكسب، وإنما المؤمن بأن الحركة أمانة في أعناق أبنائها.
ستبقى فتح، رغم كل التحديات، حركة الشعب الفلسطيني، وحارسة المشروع الوطني، وصاحبة الشرعية النضالية التي صنعتها التضحيات. وستبقى أقوى من كل خلاف عابر، وأكبر من كل طموح فردي، لأن من أسسها كتب في وجدان كل فتحاوي حقيقة لا تقبل الجدل:
فتح ليست طريقاً إلى المنصب… بل المنصب الحقيقي هو أن تبقى وفياً لفتح.
وفي هذه المرحلة المفصلية، فإن الرهان ليس على أسماء القوائم، بل على وعي أبناء الحركة. فإذا توحدت فتح، استعادت قوتها وثقة جماهيرها، وإذا قدّم أبناؤها المصلحة العامة على المصالح الخاصة، فإنها ستدخل الانتخابات كما دخلت محطات تاريخية كثيرة: موحدة، واثقة، وقادرة على حمل راية فلسطين كما حملتها منذ انطلاقة الثوره وحتى. اليوم