جاري التحميل...

تسليع الأمن الدولي: هل يدخل العالم عصر “الأمن مقابل الرسوم”؟

باحث في العلاقات الدولية

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، اضطلعت الولايات المتحدة ذات الاسطول البحري الضخم الذي ناهز قرابة الــ 600 سفينة حربية بحلول العام 1987 بمهمة توفير الحماية والامن للسفن التجارية العالمية عبر الممرات المائية ومسارات الاختناق في المضائق واعالي البحار؛ بوصفها جزءاً من مسؤوليات القيادة العالمية الجديدة التي افرزتها الحرب العالمية الثانية ورسخها انهيار الاتحاد السوفييتي. مع ما يرتبط بذلك من تحقيق مصالح استراتيجية وسياسية واقتصادية مباشرة لواشنطن وباقي الاطراف العالمية. واستمر هذا النسق العالمي في عهد كل الرؤساء الامريكيين باعتباره منفعة عامة مجانية تستفيد منها كل الاطراف عبر العالم؛ على الرغم من إنفاق الولايات المتحدة ما قيمته 0.2% من اجمالي الناتج القومي الامريكي على هذه المهمة؛ وفقاً لمركز التنمية العالمية.

كانت عملية “الارادة الصادقة” Operation Earnest Will عام 1986 في عهد الرئيس ريغان؛ أضخم تدخل عسكري امريكي بحري في الخليج العربي ومضيق هرمز -بعد الحرب العالمية الثانية، هدفت هذه العملية الى وقف “حرب الناقلات” بين العراق وإيران؛ وتأمين مرور ناقلات النفط وضمان مرور آمن وسلس لسلاسل التوريد والامداد عبر الخليج العربي وبحر العرب؛ تحت العلم الامريكي ومرافقة القطع البحرية الامريكية. الامر الذي عكس امتداد وقوة النفوذ الامريكي في المنطقة.

مع دخول ترامب البيت الابيض بدأ الخطاب السياسي الامريكي يتغير، وظهر تطور جديد عنوانه “الحماية مقابل الدفع” وهذا ينطبق على الجميع، الحلفاء؛ الاصدقاء والمنافسين على حد سواء. وان عصر الخدمة المجانية الامنية قد انتهى الى غير رجعة. في عقيدة ترامب الجديدة، من الان فصاعداً من يريد الحماية عليه ان يدفع مقابل السلعة المقدمة-الامن.  بدأ هذا المنطق الترامبي الجديد مع مطالبة حلفاءه برفع نسبة الانفاق الدفاعي على الحلف من 2% الى 5% من اجمالي الناتج المحلي لكل دولة عضو في الحلف، على قاعدة انهم يتلقون خدمة الحماية أكثر مما يدفعون.

منطق الدفع “مقابل الحماية” لم يتوقف على اليابسة -بل على ما يبدو؛ يجري تحديث نسخة منه تغطي اعالي البحار والممرات الضيقة لسفن الشحن، وربما تتطور مستقبلاً لتشمل معظم العقد البحرية العالمية التي تعاني من توتر او مرشحة مستقبلاً لان تكون كذلك. ومع انتشار مصطلح “المناطق التجريبية” على الارض؛ يبدو ان مضيق هرمز سيكون المنطقة التجريبية الاولى في البحر لفرض النفوذ المالي الامريكي. هذا يعني، إذا نجحت الادارة الامريكية في تثبيت هذه التجربة، فإن من شأن ذلك ان يمتد ليشمل حماية الممرات البحرية الدولية، عندها سيكون العالم الجديد أمام تحول في طبيعة النظام الأمني الدولي، عنوانه انتقال الأمن من منفعة عامة إلى سلعة قابلة للتسعير.

مفهوم “تسليع الأمن الدولي” الذي يحاول ترامب تجربته؛ لا يعني خصخصة الأمن أو الاستعانة بالشركات الامنية الخاصة او شبه العسكرية على غرار فاغنر الروسية؛ وشركة Allied Universal  الامريكية. ولا يعني ايضاً، تقاسم الأعباء داخل التحالفات العسكرية الدولية او الاقليمية، وإنما يشير إلى تحول ابعد من ذلك، بحيث تصبح فيه القوة العسكرية ذاتها مصدر لتوليد عائد اقتصادي ضخم ومباشر للخزينة الامريكية؛ يفوق تكاليف الخدمة المُقدمة بعشرات بل بمئات الاضعاف. ببساطة، تحويل الحماية الأمنية إلى خدمة تقدمها الدولة الامريكية التي اعلنت عن نفسها “الملاك الحارس”؛ مقابل “رسوم أو التزامات مالية تصل الى 20% من قيمة البضائع او السلع المحمولة على متن السفن”، تدفعها الدول و/او الشركات التي تعبر المضيق.

هذا التحول في الرؤية الامريكية يعكس تغيراً جوهرياً في مفاهيم الهيمنة والنفوذ السائدة منذ عقود. والقائمة في جوهرها على ان القوة العسكرية اداة لتحقيق النفوذ السياسي وبالتالي الاقتصادي، أما في النموذج الترامبي الجديد فإن القوة العسكرية نفسها ستصبح مصدراً مباشراً للإيرادات المالية، ويتحول الأمن الى مورد اقتصادي قابل للاستثمار، تماماً كما هو الاستثمار في قطاع التكنولوجيا او البنية التحتية. بحسبة بسيطة تقتصر على قطاع النفط فقط- دون احتساب رسوم السلع والمنتجات الاخرى، فإن مرور ما يقرب من 20 مليون برميل من النفط الخام يومياً في الوضع الطبيعي، مع الحد الادنى للأسعار بمتوسط 60-70 دولار للبرميل، مع نسبة رسوم 20% من اسعار الشحنات؛ يعني ان حجم التدفقات المالية المتوقعة في الخزينة الامريكية سيتراوح من 240-280 مليون دولار عائد صافي من براميل النفط يومياً. هذا يعني 87.5 مليار-102 مليار عائداً سنوياً تقريباً، وهو مبلغ يفوق موازنات دول مستقلة عديدة.

يكتسب التوجه الجديد -في حال نجاح التجربة الهرمزية، أهمية خاصة إذا تم تعميمه على الممرات البحرية الاستراتيجية العالمية، والتي تتحكم في مرور قرابة 80% من حركة التجارة العالمية. منها على سبيل المثال؛ مضيق باب المندب الذي يمر منه قرابة 10-12% من حجم التجارة العالمية، مضيق ملقا الرابط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي ويعبر منه حوالي 25-30% من إجمالي التجارة البحرية العالمية، عند هذه النقطة، لن يكون الهدف من السيطرة العسكرية جباية الرسوم الجمركية لصالح الخزينة الامريكية فقط، بل امتلاك القدرة على إدارة حركة التجارة العالمية؛ وبالتالي التحكم في المرور السلس لسلاسل الامداد من الطاقة الى المواد الغذائية، وهو نوع جديد من الهيمنة لم يعهده النظام العالمي من قبل.

ضمن هذا السياق، يعيد ترامب صياغة كل المفاهيم التقليدية والقوانين السائدة، ويطالب دول العالم ان تتفهم وتتقبل ما يفكر به؛ من عدسة القطبية الاحادية وعقيدة “امريكا أولاً”، سيصبح الامن خدمة مدفوعة الثمن. وبدلاً من أن تتحمل امريكا بصفتها الدولة العظمى مسؤولية قيادتها العالمية، بما يشمل تكاليف ضمان وحفظ الامن العالمي براً وبحراً وفق مبادئ ومقررات الامم المتحدة، تصبح القوة العالمية الاولى نفسها مشروعاً اقتصادياً استثمارياً تسعى إلى تحقيق عوائد مالية مباشرة. من وجهة نظر ترامب، لم تعد الهيمنة تقاس بعدد القواعد العسكرية المنتشرة عبر العالم -تدرس وزارة الدفاع الامريكية خيارات نقل او تجميع بعض القواعد من دول الخليج الى اماكن اخرى، أو بحجم الإنفاق الدفاعي الذي يلامس تريليون دولار ولا بعدد دول الحلفاء-هدد مراراً بالخروج من حلف الناتو، وإنما بقدرة واشنطن على فرض السيطرة على الممرات الاستراتيجية المائية وتحويلها إلى مصدر دخل دائم. هذا يعني، تحويل نقاط الاختناق البحرية العالمية الى أصول استراتيجية ذات قيمة اقتصادية ضخمة وانهاء عصر الخدمة المجانية.

بينما تعالت الاصوات القانونية التي تنتقد سيطرت طهران وتحكمها في المضيق؛ باعتبار هذه الخطوة مخالفة للقانون الدولي واتفاقيات البحار لعام 1982 ومبدأ حرية الملاحة. يتجاوز السيد ترامب هذه المسألة بسهولة. فهو ينظر الى الامم المتحدة باعتبارها مؤسسة عفا عليها الزمن واصبحت مؤسسة “بيروقراطية” تعاني من “سوء الادارة وتضخم في الميزانية” ولم تحقق نتائج ملموسة، ويرى ايضاً ان مجلس الامن مؤسسة “فاشلة” يعطل سرعة انجاز وحسم الملفات الدولية. في الوقت الذي اوقف لوحده ثمانية حروب حول العالم. هذا المستوى من الاعتزاز المستمر بالإنجازات- حتى وان كانت وهمية، ربما يدفع سيد البيت الابيض للإصرار على تنفيذ توجهاته في احتكار أمن الممرات الاستراتيجية العالمية. مما قد يفتح الباب أمام تنافس جديد بين القوى الكبرى، يضيف مزيداً من التعقيد على الازمات الدولية بدلاً من التفكير الجماعي بكيفية حلها.

ربما يكون من المبكر الجزم بأن العالم دخل بالفعل مرحلة احتكار الممرات البحرية او ما يمكن تسميته “تسليع الامن الدولي”، لكن المؤشرات الحالية تستدعي التنبه لمخاطر هذا التوجه الجديد؛ خاصة على الدول الفقيرة؛ فالمخاطر لا تتوقف على ارتفاع فاتورة تكاليف الحياة اليومية لمحدودي الدخل. بل تمتد الى تحول فكري شامل يتجاوز طبيعة العلاقات الدولية الى نظام دولي جديد تغيب فيه الاسس والقواعد الناظمة، وتصبح فيه القوة العسكرية سلعة استراتيجية تباع وتشترى ضمن منطق “سوق الامن الدولي”، بدلاً من مجلس الامن الدولي.