لم يعد الاستشراق في عالمنا المعاصر مجرد مشروعٍ أكاديمي يُعنى بدراسة لغات الشرق وآدابه وأديانه وتاريخه، بل تحوّل – في بعض تجلياته – إلى منظومة معرفية وسياسية واستراتيجية تتشابك فيها المعرفة مع السلطة، والثقافة مع الجغرافيا، والبحث العلمي مع المصالح الإمبراطورية. فالاستشراق، كما وصفه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، ليس بريئاً دائماً، بل هو في كثير من صوره «أسلوبٌ غربيٌّ للهيمنة على الشرق وإعادة تشكيله وممارسة السلطة عليه». ومن هنا، يصبح فهم الاستشراق ضرورةً لفهم كثير من السياسات الدولية التي ما زالت تلقي بظلالها على العالم العربي والإسلامي.
لقد شهدت العقود الخمسة الأخيرة، ولا سيما منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، فيضاً هائلاً من الكتب والدراسات والتقارير التي تناولت الإسلام والمسلمين من زاوية الإرهاب والتطرّف والعنف، حتى غدت صورة «المسلم الخطر» إحدى أكثر الصور تداولًا في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي. ولم يكن هذا التحول معزولًا عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل جاء امتداداً لتراكمات فكرية وثقافية أقدم، استثمرت الحدث لتعيد إنتاج الصور النمطية القديمة في ثوبٍ جديد.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه عمد إلى اختزال أكثر من مليارَي مسلم في صورةٍ واحدة، متجاهلًا التنوع الحضاري والثقافي والمذهبي والعرقي الهائل داخل العالم الإسلامي. وهنا يبرز سؤال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول العلاقة بين المعرفة والسلطة؛ إذ إن المعرفة ليست مجرد وصفٍ للواقع، بل قد تصبح أداةً لإنتاج واقعٍ جديد يخدم منظومات القوة. فالخطاب الذي يكرر ربط الإسلام بالعنف لا يصف العالم فحسب، بل يساهم في تشكيل الوعي الجماعي تجاهه.
لقد ذهب عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان إلى أن الخوف أصبح في الحداثة السائلة سلعةً سياسية، وأن المجتمعات التي تعيش حالة القلق تبحث دائمًا عن “عدو” تمنحه مسؤولية اضطراباتها الداخلية. وهكذا يتحول “الآخر” إلى شماعة تُعلَّق عليها أزمات الهوية والاقتصاد والسياسة.
ومن هذا المنظور، لم تكن الإسلاموفوبيا مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل غدت صناعةً ثقافية وسياسية متكاملة، تتغذى من الإعلام، وتستند إلى بعض الدراسات الانتقائية، وتُستثمر في الحملات الانتخابية، وتُترجم إلى سياسات أمنية وتشريعات استثنائية.
وفي هذا السياق، برزت أعمال برنارد لويس بوصفها من أكثر الأعمال تأثيرًا في صناعة القرار الغربي تجاه الشرق الأوسط. فقد قدّم في كتابه «أين الخطأ؟» تفسيراً لأزمة العالم الإسلامي من منظورٍ يردّ أسبابها إلى البنية الثقافية والدينية الداخلية، وهو طرح أثار انتقادات واسعة؛ لأنه همّش أثر الاستعمار، والتدخلات الخارجية، وإعادة رسم الخرائط السياسية، وسياسات الهيمنة الاقتصادية.
إن السؤال الحقيقي ليس: أين أخطأ العرب والمسلمون؟ بل: كيف تشكلت العلاقة المختلة بين الشرق والغرب عبر قرون من الاستعمار والصراع والمصالح؟ فالفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يؤكد أن الحوار الحقيقي لا يقوم على الهيمنة، وإنما على الاعتراف المتبادل، واحترام الآخر بوصفه شريكاً في الإنسانية، لا موضوعاً للدراسة أو هدفاً للسيطرة.
وقد نبّه المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى أن الحضارات لا تنهار بسبب أعدائها وحدهم، بل بسبب قابلية داخلية للضعف والتفكك، وهو ما يفرض على المجتمعات العربية والإسلامية مراجعةً نقديةً لذاتها، بعيداً عن عقلية المؤامرة أو تبرئة الذات من كل مسؤولية. فالنقد الذاتي شرطٌ للنهوض، كما أن نقد الخطابات الاستشراقية المنحازة ضرورةٌ لحماية الحقيقة.
أما محمد أركون فقد دعا إلى تجاوز القراءات المغلقة، سواء كانت غربية أم شرقية، مؤكّداً أن المعرفة العلمية الحقيقية لا تُبنى على الأحكام المسبقة، بل على النقد التاريخي والعقلاني. كما رأى محمد عابد الجابري أن النهضة لا تتحقق إلا بإعادة بناء العقل العربي على أسس نقدية، بعيداً عن الجمود والتقليد.
إن التطرف، في جوهره، ليس حكراً على دين أو قومية أو ثقافة. فقد عرف التاريخ إرهاباً مارسته جماعات قومية، وحركات عنصرية، وتنظيمات يسارية ويمينية، وجيوش نظامية، ودول كبرى. ولذلك فإن ربط الإرهاب بهوية دينية بعينها يُعدّ اختزالًا معرفياً يفتقر إلى الدقة العلمية والإنصاف الأخلاقي.
ولعل الفيلسوف كارل بوبر كان محقاً حين حذّر من خطر النظريات الشمولية التي تفسّر العالم بعلةٍ واحدة؛ لأن الواقع أكثر تعقيداً من أن يُختزل في سببٍ منفرد. وكذلك يؤكد تزفيتان تودوروف أن الخوف من الآخر يبدأ عندما نتوقف عن رؤيته إنساناً، ونحوّله إلى صورة جامدة تُنتجها الأيديولوجيا.
لقد انتقل الاستشراق، في بعض تجلياته، من دراسة النصوص إلى رسم الخرائط، ومن البحث في اللغات إلى صناعة السياسات، ومن تحليل الثقافة إلى التأثير في مراكز القرار. وهنا يلتقي الاستشراق بالجيوبوليتيكا، حيث تصبح المعرفة عنصراً من عناصر القوة الناعمة التي تمهد، أحياناً، لتدخلات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.
غير أن هذا لا ينفي وجود مستشرقين كبار أنصفوا الحضارة العربية والإسلامية، وأسهموا في تحقيق التراث، ودراسة اللغة العربية، وكشف كثير من الكنوز الفكرية. ومن ثم، فإن الإنصاف العلمي يقتضي التمييز بين الاستشراق بوصفه حقلاً معرفياً متعدد الاتجاهات، وبين بعض الاتجاهات التي سخّرت المعرفة لخدمة مشاريع الهيمنة.
إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى تجاوز ثنائية “الشرق” و”الغرب”، وإلى بناء فضاء إنساني مشترك، تُقاس فيه الأمم بإسهامها في الحضارة، لا بانتمائها الديني أو العرقي. فالحوار، كما قال هانز غادامير، هو الطريق الوحيد الذي يسمح للحقيقة بأن تولد بين المختلفين.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والغرب، ولا بين الشرق والغرب، بل بين المعرفة والجهل، وبين العدالة والهيمنة، وبين الإنسان الذي يؤمن بكرامة الإنسان، وذلك الذي يحوّل الثقافة إلى أداةٍ للصراع، والاختلاف إلى ذريعةٍ للإقصاء.
فإذا كان الاستشراق قد أسهم، في بعض صوره، في إنتاج معرفة منحازة، فإن المسؤولية الأخلاقية والفكرية اليوم تقتضي إنتاج معرفة مضادة، لا تقوم على الكراهية المضادة، ولا على ردّ التعصب بتعصب، بل على البحث العلمي الرصين، والنقد المنهجي، والحوار الحضاري، وإعلاء قيمة الإنسان بوصفه الغاية الكبرى لكل فكرٍ حر، وكل ثقافةٍ أصيلة، وكل حضارةٍ تؤمن بأن المستقبل لا يُبنى إلا بالتعارف، لا بالتنافر، وبالشراكة، لا بالهيمنة.