جاري التحميل...

عرض كتاب: “حين ينام العالم: حكايات وكلمات وجراح فلسطين”

 – دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين

يُعد كتاب When the World Sleeps: Tales, Words, and Wounds from Palestine (حين ينام العالم: حكايات وكلمات وجراح فلسطين) للمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، من أبرز المؤلفات التي تمزج بين السرد الإنساني والتحليل القانوني والحقوقي. ويستند الكتاب إلى خبرة المؤلفة الميدانية وعملها الممتد في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما خلال إقامتها في القدس، فضلا عن تجربتها في توثيق أوضاع حقوق الإنسان، ليقدم قراءة تتجاوز التحليل السياسي التقليدي، مركزة على التجربة الإنسانية للفلسطينيين من خلال شهادات وقصص واقعية تعكس آثار الاحتلال والحروب والنزوح على حياة الأفراد والعائلات.

يعرض الكتاب عشر حكايات إنسانية تمثل نماذج لمعاناة الفلسطينيين وصمودهم، ويستخدمها إطارا لتوضيح الآثار اليومية للاحتلال، بما يشمل فقدان الأرواح، والتهجير، وتقييد حرية الحركة، وانتهاك الكرامة الإنسانية، والحرمان من الحقوق الأساسية. ولا يكتفي بعرض هذه الشهادات، بل يربطها بقواعد القانون الدولي، مؤكدا أن حقوق الإنسان ليست امتيازات تمنحها الدول، وإنما حقوق أصيلة تكفلها المنظومة القانونية الدولية، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وتنبع أهمية الكتاب أيضا من ارتباطه بالنقاش الدولي الدائر حول توصيف الانتهاكات المرتكبة في قطاع غزة في ضوء أحكام القانون الدولي. إذ أن الكتاب لا يقدم حكما قانونيا أو قضائيا بشأن هذه المسألة، وإنما يعكس رؤية مؤلفته بصفتها مقررة خاصة للأمم المتحدة، وهي رؤية تتوافق مع ما ورد في تقاريرها بشأن مخاطر ارتكاب أفعال قد تندرج ضمن نطاق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ومن هذا المنطلق، يمثل الكتاب مساهمة حقوقية وأخلاقية في النقاش العالمي حول طبيعة الانتهاكات ومسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين ومنع الجرائم الدولية.

كما يؤكد الكتاب على مبدأ عالمية حقوق الإنسان وعدم جواز الانتقاص منها في أوقات النزاعات المسلحة، مستعرضا عددا من الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي لجميع المدنيين، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحماية من التهجير القسري، والحق في الغذاء والماء والرعاية الصحية، وحقوق الأطفال في الحماية، إلى جانب حق الشعوب في تقرير المصير. ويستند في ذلك إلى منظومة من الصكوك الدولية، من أبرزها اتفاقيات جنيف، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومن الناحية الأكاديمية، يمثل الكتاب نموذجا يجمع بين الشهادة الإنسانية والخطاب القانوني؛ إذ لا يقتصر على توثيق الوقائع، بل يربطها بمفاهيم العدالة الدولية والمساءلة، ويثير تساؤلات حول مدى فاعلية النظام الدولي في حماية المدنيين عند استمرار الانتهاكات واسعة النطاق. كما يبرز دور خبراء الأمم المتحدة في توثيق الانتهاكات وإثارة النقاش القانوني والسياسي بشأنها، مع التأكيد على أن الحسم النهائي للمسؤولية القانونية عن الجرائم الدولية يظل من اختصاص المحاكم الدولية المختصة.

وفي المجمل، يمثل كتاب When the World Sleeps إضافة مهمة إلى الأدبيات الحقوقية المعاصرة؛ فهو لا يقتصر على توثيق معاناة الفلسطينيين، بل يسهم في إثراء النقاش العالمي حول حماية حقوق الإنسان، وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، وحدود مسؤولية المجتمع الدولي في منع الجرائم الدولية ومساءلة مرتكبيها. وبذلك يجمع الكتاب بين القيمة التوثيقية والبعد التحليلي، ويقدم رؤية تعكس أحد أبرز الأصوات الأممية الداعية إلى احترام القانون الدولي وحماية المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة.

 

ولا يمكن تناول كتاب When the World Sleeps بمعزل عن السياق الذي صدر فيه والمكانة التي تشغلها مؤلفته داخل منظومة الأمم المتحدة، وما أثارته تقاريرها ومواقفها من تفاعلات دولية واسعة. فقد واجهت فرانشيسكا ألبانيزي، بصفتها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، ضغوطا سياسية ومهنية وشخصية ارتبطت بمضامين تقاريرها ومواقفها بشأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. ويظل تقييم هذه المواقف محل تباين سياسي ودبلوماسي، في حين تستند أعمالها الرسمية إلى ولايتها بوصفها خبيرة مستقلة مكلفة من مجلس حقوق الإنسان.

وفي هذا السياق، فرضت الولايات المتحدة في يوليو 2025 عقوبات على ألبانيزي، مبررة ذلك بدورها في تشجيع اتخاذ إجراءات قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين. وفي المقابل، اعتبرت الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الحقوقية أن هذه الإجراءات قد تمثل ضغطا على استقلال خبراء الأمم المتحدة وآليات حماية حقوق الإنسان. كما تعرضت المؤلفة لحملات انتقاد من الحكومة الإسرائيلية وعدد من المسؤولين الأمريكيين ومنظمات مؤيدة لإسرائيل، الذين اتهموها بالتحيز وتجاوز حدود ولايتها، بينما أكدت هي أن تقاريرها تستند إلى قواعد القانون الدولي وإلى الأدلة التي تجمعها في إطار مهامها الرسمية.

وشهدت فترة ولايتها أيضا محاولات دبلوماسية لعدم تجديد تكليفها، إلا أنها استمرت في أداء مهامها، إلى جانب تعرضها، وفق تصريحاتها، لحملات تشهير وتهديدات وضغوط مهنية وشخصية، رأت أنها قد تؤثر في قدرتها على أداء عملها، كما قد تترك أثرا مثبطا على المدافعين عن حقوق الإنسان بوجه عام.

وتبرز هذه التطورات أن الكتاب لا يمكن قرائته بوصفه عملا توثيقيا فحسب، وإنما باعتباره جزءا من نقاش دولي أوسع حول حماية حقوق الإنسان، وحدود استقلال خبراء الأمم المتحدة، وآليات المساءلة الدولية. فبينما يرى مؤيدو ألبانيزي أن ما تعرضت له يعكس التحديات التي قد تواجهها الآليات الأممية عند تناول القضايا المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن مواقفها وتقاريرها تفتقر إلى الحياد وتتجاوز التفويض الممنوح لها. ويعكس هذا التباين حجم الانقسام الدولي بشأن تفسير الأحداث في الأراضي الفلسطينية وتطبيق قواعد القانون الدولي عليها، وهو السياق الذي يمنح الكتاب أهمية إضافية لفهم طبيعة الجدل القانوني والسياسي الذي أحاط بمؤلفته وأعمالها.

وفي ضوء مضامين كتاب When the World Sleeps وما أثاره من نقاشات حقوقية وقانونية، إلى جانب ما واجهته مؤلفته فرانشيسكا ألبانيزي خلال أدائها مهامها كمقررة خاصة للأمم المتحدة، يمكن استخلاص عدد من الدروس والاستنتاجات التي تتجاوز حدود الكتاب لتلامس واقع النظام الدولي وآليات حماية حقوق الإنسان.

ويؤكد الكتاب، في المقام الأول، أهمية التطبيق المتسق لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان دون انتقائية أو تمييز، باعتبار أن حماية الكرامة الإنسانية ينبغي أن تشمل جميع الشعوب في مختلف الظروف. كما يبرز ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، واحترام المبادئ الأساسية التي تحكم استخدام القوة، مع التأكيد على أهمية التحقيق المستقل في الادعاءات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة، مع بقاء الفصل النهائي في المسؤولية القانونية من اختصاص المحاكم الدولية المختصة.

ويثير الكتاب كذلك تساؤلات حول فعالية منظومة الأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان، مسلطا الضوء على أهمية الحفاظ على استقلالية المقررين الخاصين وخبراء الأمم المتحدة، وتمكينهم من أداء ولاياتهم بعيدا عن الضغوط السياسية أو الاقتصادية، إلى جانب تعزيز آليات الرصد والتوثيق والتعاون بين أجهزة الأمم المتحدة والدول الأعضاء بما يسهم في تنفيذ المعايير الدولية وتعزيز المساءلة.

ومن الناحية الأكاديمية والإعلامية، يبرز الكتاب قيمة الجمع بين الشهادة الإنسانية والتحليل القانوني في فهم النزاعات المسلحة، ويؤكد أهمية الاعتماد على الأدلة والبحث العلمي في مناقشة التقارير الحقوقية بعيدا عن الاستقطاب السياسي، كما يلفت الانتباه إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام المهني في نقل معاناة المدنيين وإبراز الأبعاد الإنسانية للنزاعات وفق معايير الدقة والموضوعية.

وعلى مستوى المجتمع الدولي، يعكس الكتاب الحاجة إلى تعزيز الجهود الرامية إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم الحلول الدبلوماسية القائمة على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بما يسهم في تحقيق سلام عادل ومستدام، مع التأكيد على حق جميع الضحايا في العدالة والإنصاف بصرف النظر عن هويتهم أو انتمائهم.

كما تكشف تجربة فرانشيسكا ألبانيزي، كما يعرضها سياق الكتاب وما أعقب صدوره من تفاعلات، عن حجم التحديات التي قد تواجه خبراء الأمم المتحدة عند تناولهم قضايا تتسم بحساسية سياسية وقانونية كبيرة. وتبرز هذه التجربة أهمية استقلال الخبراء الدوليين في تعزيز مصداقية منظومة الأمم المتحدة، كما تؤكد أن التقارير الحقوقية، رغم تأثيرها في تشكيل النقاش الدولي، تظل أدوات للتوثيق والتحليل وإثارة المساءلة، ولا تمثل أحكاما قضائية أو بديلا عن اختصاص المحاكم الدولية.

وخلاصة القول، يقدم كتاب When the World Sleeps أكثر من مجرد توثيق لمعاناة إنسانية، إذ أنه يطرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية حول فعالية النظام الدولي، وحدود حماية حقوق الإنسان في أوقات النزاعات، واستقلال آليات الأمم المتحدة، ودور القانون الدولي في تحقيق العدالة. ومن ثم، يمثل الكتاب إسهاما فكريا وحقوقيا يدعو إلى تعزيز احترام القانون الدولي، وتفعيل آليات المساءلة، وتطبيق معايير حقوق الإنسان بصورة متسقة على جميع الأطراف، بما يسهم في صون الكرامة الإنسانية وترسيخ مبادئ العدالة الدولية.