التنوير لغة:
جاء التنوير من الفعل (نوّر). ونقول : نوّر الغرفة, أي أزال ظلمتها وأبان ما فيها).
التنوير مجازاً أو اصطلاحا:
ينصرف مفهوم التنوير إلى تحرير عقل الإنسان وإرادته، وجعلهما المصدر الأساس لكل نشاط فكري أو عملي له. ومن أهم النقاط أو الأفكار المركزيّة التي يشتغل عليها التنوير في عالمنا الثالث بشكل عام ووطنا العربي بشكل خاص هي: إعلاء قيمة الحريّة الفرديّة، والدعوة للتسامح الديني، واحترام المرأة, ونقد السلطات المطلقة والعمل على تحطيمها، وإرساء مبادئ “العقد الاجتماعي” والحقوق الطبيعية التي مهدت للديمقراطيات الحديثة.
الإرهاصات الأولية للتنوير:
ابتدأت الارهاصات الأولية للتنوير برأيي مع بدء تاريخ وعي الإنسان لنفسه وما يحيط به. وربما نستطيع أن نعتبر المرحلة التاريخيّة التي ظهرت فيها أسطورة أو ملحمة “جلحاميش” في تراثنا العربي – على سبيل المثال لا الحصر – هي إحدى المحطات التاريخيّة الهامة التي بدأ يفكر فيها الإنسان من ذاته, ويبحت عن سر هذه الذات وسر وجودها, وهذه مسألة تعتبر أيضاً من المحطات التاريخيّة الرئيسة – الألف الثالث قبل الميلاد – التي راح الإنسان يسعى من خلال هذه الأسطورة أن ينفصل شيئاً فشيئاً عن تحكم الطبيعة به, أو ما يسمى فلسفيّاً بـ (الضرورة الحكميّة), ويبحث عن سر الخلود. وهنا تظهر لنا في هذه الأسطورة البذور الأوليّة أيضاً للحكمة أو الوعي التنويري (الفلسفي) عند التقاء “جلجاميش” بالحكيم “أناناتبشم” بعد فشله في الحصول على النبتة التي تمنحه السر البقاء, ولقائه بالحكيم “أنا نا تبشم” الذي قال له بعبارات مشبعة بالحكمة والتجربة:
متى بنينا بيتاً دام إلى الأبد؟.
متى ختمنا ختماً دام للأبد؟.
لم يكن هناك خلود ودوام منذ الأبد!.
أما لدى اليونان, فهذا “هيراقليطس” في القرن السادس قبل الميلاد يقول: (كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين فكذلك هي الحياة.) .
التنوير والحرية:
في الفكر الوضعي: جاء عند سبينوزا وهيجل وماركس: إن الحريّة هي وعي الضرورة, أو الضرورة الواعية. أي نكون أحراراً بالقدر الذي الذي نعي فيه معوقات وجودنا وطموحنا.
إن حريّة الإنسان تقوم على وعي وإدرارك ومعرفة القوانين الموضوعية التي تتحكم بآليّة عمل الطبيعة والمجتمع, وبالتالي التسلح بها وتسخيرها لمصلحة الإنسان.
وفي الدين: جاءت حرية الإنسان وتأكيد شخصيته مرتبطتان بالمعرفة والتعلم. ففي القرآن : أول آية نزلت هي (إقرأ باسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق, إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم , علم الإنسان ما لم يعلم). فالمعرفة مكتسبة هنا وليست معطى قبلياً تولد مع الإنسان.
الأدوات المعرفية للتنوير:
1- الدماغ و مدركات حواسه. (البصر – السمع – الشم – اللمس.. الخ).
2- التجربة الحسيّة للبشريّة في علاقات الناس بالطبيعة والمجتمع, وتقوم على العلاقة الجدليّة بين الإنسان ومحيطه: فـ ( من المشاهدة الحيّة إلى التفكير المجرد إلى الممارسة) .
يقول محمد عبده : ((نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً, وكل فكر يكون له أثر في داعية, وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر, ولا ينقطع الفعل والانفعال بين العمل والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد, وكل قبيل هو للآخر عماد.).
منهج التنوير:
يقوم منهج التنوير على الإيمان بالحركة والتطور والتبدل (سبحان الذي لا يحول ولا يزول) – وبالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج, فالإنسان ابن بيئته (من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم) – وبالعلاقة الجدليّة بين الجزء والكل (حديث الرسول : المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص..) – وكذلك العلاقة الجدليّة بين الشكل والمضمون (المكتوب يعرف من عنوانه) – والقول بنسبية الحقيقة ( الكمال لله)– وأخيراً الايمان الشك القائم على رفض الأسطورة والامتثال والاستسلام للجبر المطلق. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ).البقرة 260
جوهر وأهداف التنوير:
1- الإنسان وتنميته المستدامة أولاً: وهذه تتضمن بالضرورة: الحرية, العدالة, المساواة, التعليم, والصحية الخ. وثانياً: المواطنة وما يقوم عليها من حقوق وواجبات, وتعليم وحرية المرآة, واحترام الرأي والرأي الاخر.. وثالثاً: العمل دائماً على تنوير وتوعية الناس, ومحاربة من يعمل على تجهيلهم خدمة لمصالح سياسيّة أو طبقيّة محددة.
وللتنوير أهداف أخرى هي:
1-على المستوى السياسي: تحقيق دولة القانون والمؤسسات, أو ما يسمى الدولة المدنيّة.
2- على المستوى الاقتصادي: تحقيق العدالة في تقاسم الثروة الوطنيّة.
3- على المستوى الاجتماعي: تحقيق المواطنة, وتجاوز المرجعيات التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب.
4- على المستوى الثقافي: الاشتغال على الجانب العقلاني النقدي الذي يبرز دور ومكانة الإنسان كخليفة على الأرض.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.