جاري التحميل...

أسواق القدس تختنق بالبضائع والركود… تجار البلدة القديمة ينتظرون “عودة الحياة”

خلف أبواب المحال المفتوحة في أسواق البلدة القديمة بالقدس، تتكدس البضائع على الرفوف وتنتظر زبائن لم يعودوا يمرّون كما في السابق، ملابس وتُحف وهدايا وتوابل ومنتجات تراثية، بقيت في مكانها لأشهر، بينما تتصاعد التزامات الإيجار والضرائب والفواتير على كاهل التجار.

وتعيش الحركة التجارية في القدس، خصوصا داخل البلدة القديمة، واحدة من أصعب مراحلها بفعل تراكم تداعيات الحرب على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما رافقها من قيود على وصول أهالي الضفة الغربية إلى المدينة، وانحسار السياحة والحج الديني.

كما زاد التصعيد الإقليمي والحرب الأمريكية مع إيران من مخاوف الزوار ومن حالة عدم اليقين التي تخيم على المدينة، في ظل توقعات بانضمام إسرائيل للحرب.

بضائع بلا مشترين

قبل الحرب، كان التجار يعدّون مواسم رمضان والأعياد والعطل الصيفية فرصة لتعويض فترات الركود، إذ كانت أسواق خان الزيت والواد والسلسلة والقطانين تمتلئ بالمتسوقين والمصلين والسياح القادمين من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب أهالي الضفة الغربية.

لكن المشهد تبدّل اليوم، فأزقة البلدة القديمة التي اعتادت ضجيج المارة باتت أكثر هدوءا، وكثير من أصحاب المحال يجلسون لساعات أمام بضائعهم بانتظار زبون واحد، فيما يؤكد التجار أن انخفاض المبيعات لم يعد مشكلة عابرة، بل تحول إلى أزمة سيولة تهدد قدرتهم على تجديد البضاعة أو تغطية التزاماتهم الشهرية.

ولا يقتصر الضرر على المحلات السياحية فقط، بل يمتد إلى محال الألبسة والأحذية والمطاعم ومحال العصائر والمخابز والبسطات الصغيرة، التي تعتمد جميعها على كثافة الحركة داخل البلدة القديمة.

غياب أهالي الضفة والسياح

ويشكّل أهالي الضفة الغربية أحد أهم روافد الأسواق المقدسية، إذ كان حضورهم إلى المسجد الأقصى يترافق غالبا مع التسوق وتناول الطعام وزيارة الأقارب، لكن منع الغالبية منهم من الوصول إلى القدس، والتشديد على الحواجز والطرق المؤدية إلى البلدة القديمة، ساهما في قطع هذا الشريان الاقتصادي.

كما أن السياح والحجاج المسيحيين والمسلمين، الذين كانوا يحركون قطاعا واسعا من التجارة والخدمات الفندقية، تراجع حضورهم بصورة حادة، فيما تفيد تقارير صحفية بأن السياحة، وهي أحد أعمدة اقتصاد القدس، تعرضت لانهيار كبير خلال الحرب، ما انعكس على الفنادق والمطاعم ومحال الهدايا والتحف والأسواق المحيطة بالمقدسات.

وتكشف هذه الأزمة المركبة أنها ليست أزمة بيع وشراء فحسب، بل ضربة مباشرة لاقتصاد عائلي متجذر في المدينة، فغالبية محال البلدة القديمة موروثة داخل عائلات مقدسية، ويعيل دخلها أسرا كاملة.

سوق تاريخي تحت الضغط

وتضم البلدة القديمة نحو 1372 محلا تجاريا، وفق معطيات سابقة للغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس، وقبل الحرب، كان مئات التجار يعملون في قطاعات ترتبط بالسياحة والحج والمنتجات التراثية، وهي قطاعات باتت أكثر هشاشة مع استمرار التوتر.

ويشير أمين سر الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس حجازي الرشق، في تصريحات صحفية سابقة، إلى أن جزءا محدودا فقط من المحال تمكن من مواصلة عمله بصورة طبيعية خلال الحرب، بينما تضررت المحال المرتبطة بالسياحة بصورة كبيرة. كما تحدث عن استنزاف رأس مال المواطنين وتراجع قدرتهم الشرائية، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسواق، حتى باتت أسواق القدس العتيقة تحتضر في ذروة موسمها السنوي.

وقال التاجر المقدسي يعقوب قاسم إن غياب الزوار والإغلاقات والتفتيش والإجراءات في محيط البلدة القديمة أضعفت دافع الناس إلى التسوق، فيما وصف التاجر أنور أبو عصب حال الأسواق بأنها “مزرية”، مطالبا بدعم التجار والتوافد إلى المدينة.

أمل بوقف الحروب وعودة الناس

ولا يخفي التجار أن أمنيتهم الأولى هي انتهاء الحرب على غزة والتصعيد مع إيران، وعودة الاستقرار الذي يسمح للناس بالتنقل والوصول إلى القدس دون خوف أو قيود، فهم يرون أن عودة أهالي الضفة الغربية والسياح والحجاج ستعيد تدريجيا الحياة إلى الأسواق، وتساعدهم على تصريف البضائع المتكدسة واستعادة جزء من خسائرهم.

ويأمل أصحاب المحال أن تعود أبواب البلدة القديمة لتفتح على مدينة نابضة بالحياة، لا على ممرات صامتة ومحال تنتظر المارة، فبالنسبة لهم، ليست التجارة مجرد مصدر رزق، بل جزء من بقاء الهوية الفلسطينية في القدس وحماية طابعها العربي والتاريخي.

ويعتمد اقتصاد القدس، وخصوصا البلدة القديمة، بدرجة كبيرة على السياحة الدينية والتجارة الصغيرة والخدمات المرتبطة بالزوار والمصلين، ومع تراجع الحركة منذ الحرب، تحولت المحال إلى مخازن لبضائع راكدة، فيما بات التاجر المقدسي أمام معادلة صعبة: استمرار دفع التكاليف رغم غياب الدخل، أو إغلاق محل ارتبط بتاريخ عائلته ووجوده في المدينة.