د. صلاح عبد العاطي
الملخص التنفيذي
لا تتناول هذه الورقة مجرد انتخاب قيادة جديدة لحركة حماس، بل تحاول قراءة لحظة تاريخية فارقة تعيشها القضية الفلسطينية برمتها. فالانتخاب جاء في ظل استمرار حرب إبادة جماعية لم تنتهِ، وفي سياق تحولات استراتيجية غير مسبوقة مست البيئة الفلسطينية والإقليمية والدولية، وأعادت تعريف طبيعة الصراع، وأولويات الفعل الوطني، وحدود الممكن السياسي.
وتنطلق الورقة من فرضية رئيسية مفادها أن انتخاب د. خليل الحية يمثل بداية مرحلة جديدة، لكنه لا يمثل بحد ذاته تحولاً في النهج. فالاختبار الحقيقي لا يتعلق بتغيير الأشخاص، بل بقدرة القيادة الجديدة على قراءة المتغيرات، وإجراء مراجعة استراتيجية عميقة، والإسهام في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني بما يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع الجديد.
وترى الورقة أن استمرار إدارة المرحلة بعقل سياسي تشكل في ظروف ما قبل السابع من أكتوبر، وبأدوات صممت لبيئة لم تعد قائمة، سيؤدي إلى تعميق الأزمة الوطنية، حتى لو حافظ على تماسك الحركة تنظيمياً. وفي المقابل، فإن إعادة التموضع الاستراتيجي لا تعني التخلي عن المقاومة أو الثوابت، بل تعني إعادة إدماجها ضمن مشروع وطني جامع، يضع إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني في مقدمة الأولويات.
وتخلص الورقة إلى أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق إدارة التنظيم إلى منطق المساهمة في إدارة مشروع وطني شامل، يستند إلى الشراكة الوطنية، والقيادة الموحدة، والاستراتيجية النضالية المشتركة، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الجامع، مع تطويرها وإصلاحها على أسس ديمقراطية وتعددية.
مدخل:
تمر القضية الفلسطينية اليوم بواحدة من أكثر لحظاتها خطورة منذ النكبة عام 1948. فالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لم تعد مجرد حرب عسكرية واسعة النطاق، بل تحولت إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، عبر الإبادة الجماعية، والتجويع، والتدمير المنهجي، والتهجير القسري، ومحاولات إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة، بما يفضي إلى فرض وقائع استعمارية جديدة يصعب التراجع عنها.
إن استمرار حرب الإبادة لا يعني فقط استمرار القتل والتدمير، بل يعني أيضاً أن الفلسطينيين لم يدخلوا بعد مرحلة “اليوم التالي”، كما تفترض كثير من الأدبيات السياسية، وإنما ما زالوا داخل معركة مفتوحة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والإنسانية والسياسية والقانونية والإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، جاء انتخاب الدكتور خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس، بعد استشهاد عدد من أبرز قادتها، ليشكل حدثاً تنظيمياً وسياسياً بالغ الدلالة. غير أن أهمية هذا الحدث لا تكمن في انتقال القيادة من شخص إلى آخر، وإنما في كونه يعكس طبيعة الخيارات التي اختارتها الحركة في لحظة تاريخية استثنائية، ويطرح أسئلة جوهرية حول مستقبلها، ومستقبل قطاع غزة، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
فالانتخابات، رغم أنها أظهرت استمرار المؤسسية داخل الحركة، وحُسمت بفارق صوت واحد فقط، كشفت أيضاً عن وجود توازنات واتجاهات مختلفة في تقدير المرحلة المقبلة، بين من يميل إلى استمرارية النهج، ومن يرى ضرورة تطوير أدوات العمل السياسي، والانفتاح على مقاربات أكثر مرونة. لكن النتيجة النهائية لم تحسم السؤال الأهم: هل ستقود القيادة الجديدة مراجعة استراتيجية حقيقية، أم ستعيد إنتاج السياسات نفسها في بيئة تغيرت جذرياً؟
لقد فرضت حرب الإبادة واقعاً فلسطينياً جديداً. فلم يعد التحدي يقتصر على مقاومة الاحتلال، بل أصبح يتعلق أيضاً بحماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على الوجود الوطني، ومنع تفكيك المجتمع، وإفشال مشاريع الفصل والتهجير، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية. وأصبح معيار النجاح لا يقاس فقط بقدرة أي فصيل على مواصلة القتال، وإنما أيضاً بقدرته على حماية المجتمع، وصيانة مقومات الصمود، والمساهمة في بلورة استراتيجية وطنية جامعة.
ومن هنا، فإن السؤال المركزي الذي تحاول هذه الورقة الإجابة عنه ليس: من يقود حركة حماس؟ بل: كيف يمكن للقيادة الجديدة أن تسهم في إعادة تعريف دور الحركة داخل المشروع الوطني الفلسطيني، في ظل استمرار حرب الإبادة والتحولات الإقليمية والدولية، بما يخدم إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، واستعادة المبادرة السياسية الفلسطينية؟
وبذلك، فإن هذه الورقة لا تقدم قراءة تنظيمية لانتخابات حماس فحسب، بل تسعى إلى تقديم تقدير موقف استراتيجي واستشرافي يربط بين التحولات البنيوية التي يشهدها الصراع، وبين الخيارات المتاحة أمام الحركة والقوى الفلسطينية كافة، انطلاقاً من قناعة أساسية مفادها أن مستقبل فلسطين لن تصنعه قوة منفردة، وإنما مشروع وطني جامع، يعيد بناء النظام السياسي، ويوحد القيادة، ويطور استراتيجية نضالية مشتركة، قادرة على التفاعل مع المتغيرات دون التفريط بالحقوق الوطنية الثابتة.
الفصل الأول
دلالات انتخاب خليل الحية
بين الاستمرارية التنظيمية واستحقاقات التحول الاستراتيجي
لم يكن انتخاب الدكتور خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس مجرد انتقال تنظيمي فرضته اللوائح الداخلية للحركة، بل جاء في لحظة تاريخية استثنائية، تتقاطع فيها أزمة الحركة مع أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وتتداخل فيها التحديات التنظيمية مع التحولات البنيوية التي أحدثتها حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.
فالقيادة الجديدة لا تتسلم مسؤولياتها في مرحلة توسع سياسي أو إعادة بناء تنظيمية، كما حدث في محطات سابقة، وإنما في ظل حرب مفتوحة أعادت تعريف طبيعة الصراع، وغيّرت البيئة التي تشكلت فيها سياسات الحركة طوال العقود الماضية، ووضعت الفلسطينيين جميعًا أمام سؤال وجودي يتجاوز حدود التنافس الفصائلي إلى سؤال بقاء الشعب والقضية.
ومن ثم، فإن أهمية الانتخابات لا تكمن فقط في شخصية الفائز، وإنما في الرسائل التي حملتها، وفي طبيعة التوازنات التي كشفت عنها، وفي ما تعكسه من إدراك داخل الحركة لطبيعة المرحلة المقبلة.
أولاً: مؤسسية الحركة وحدودها
أظهرت الانتخابات أن حماس ما تزال تحتفظ بدرجة معتبرة من المؤسسية التنظيمية، رغم الخسائر غير المسبوقة التي تعرضت لها بنيتها القيادية والعسكرية والسياسية.
فحسم النتيجة بفارق صوت واحد فقط (35 مقابل 34)، بعد جولة إعادة، يؤكد أن الحركة لم تلجأ إلى التوافقات الشكلية أو التعيين المباشر، بل احتكمت إلى آلياتها الداخلية.
غير أن هذه المؤسسية كشفت في الوقت نفسه عن انقسام واضح في تقدير المرحلة، بما يعكس وجود اتجاهين رئيسيين داخل الحركة:
اتجاه يرى أن المحافظة على النهج القائم تمثل شرطًا للحفاظ على وحدة الحركة ومكانتها.
واتجاه آخر يميل إلى منح السياسة مساحة أوسع، وإعادة تقييم العلاقة بين العمل العسكري والعمل السياسي في ضوء المتغيرات الجديدة.
وبالتالي، فإن الانتخابات أظهرت وحدة التنظيم، لكنها كشفت أيضًا عن تعددية في الرؤية، وهي تعددية ستفرض نفسها على أداء القيادة الجديدة.
ثانياً: انتصار قيادة الداخل
تشير المعطيات إلى أن خليل الحية حصد تأييدًا واسعًا داخل قطاع غزة، في حين حظي خالد مشعل بتأييد أكبر في الخارج، بينما توزعت أصوات الضفة الغربية بين الاتجاهين.
ولا يتعلق الأمر هنا بجغرافيا التصويت فقط، بل بدلالتها السياسية.
فالحركة اختارت أن يكون مركز القرار في هذه المرحلة داخل غزة، حيث تُدار الحرب، وتُخاض المفاوضات، ويُدفع الثمن الأكبر.
وهذا القرار يعكس إدراكًا بأن من يعيش تفاصيل الميدان أكثر قدرة على تقدير أولوياته، لكنه يضع القيادة الجديدة أمام مسؤولية مباشرة تجاه المجتمع الغزي، الذي لم يعد ينتظر فقط خطابًا عن الصمود، بل يبحث عن رؤية تنقذه من الانهيار.
ثالثاً: هل انتصرت الاستمرارية؟
قد يبدو انتخاب الحية للوهلة الأولى انتصارًا لخيار الاستمرارية، باعتباره أحد أبرز وجوه القيادة التي أدارت مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر.
لكن القراءة الاستراتيجية تقتضي التمييز بين استمرارية القيادة واستمرارية السياسات.
فالانتخابات منحت الحية شرعية تنظيمية، لكنها لم تمنحه تفويضًا مفتوحًا لإعادة إنتاج السياسات ذاتها، لأن البيئة التي أنتجت تلك السياسات لم تعد قائمة.
لقد تغيّر كل شيء تقريبًا:
طبيعة الحرب.
طبيعة المجتمع.
طبيعة التهديد.
طبيعة الإقليم.
طبيعة التدخل الدولي.
طبيعة القضية نفسها.
وبالتالي، فإن أي قيادة، مهما بلغت شرعيتها التنظيمية، ستصبح عاجزة إذا حاولت إدارة واقع جديد بعقل سياسي تشكل في ظروف مختلفة.
رابعاً: القيادة الجديدة أمام معادلة مختلفة
واجهت القيادات السابقة أسئلة من نوع:
كيف نقاوم؟
كيف نحكم؟
كيف ندير العلاقة مع الإقليم؟
كيف نحافظ على الحركة؟
أما القيادة الحالية فتواجه أسئلة أكثر تعقيدًا:
كيف نمنع انهيار غزة؟
كيف نحمي الإنسان الفلسطيني؟
كيف نحافظ على الوجود الوطني؟
كيف نعيد بناء النظام السياسي؟
كيف نمنع تحويل نتائج حرب الإبادة إلى واقع دائم؟
كيف نعيد تعريف دور الحركة داخل مشروع وطني جامع؟
وهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالخطاب التقليدي وحده، لأنها تتطلب مراجعة شاملة في الفكر السياسي، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة بين المقاومة والسياسة، وبين التنظيم والمجتمع.
خامساً: اختبار القيادة
إن شرعية الانتخابات تمنح القيادة الجديدة فرصة، لكنها لا تضمن النجاح.
فالاختبار الحقيقي لن يكون داخل مؤسسات الحركة، وإنما أمام الشعب الفلسطيني.
وسيقاس النجاح وفق معايير مختلفة عن الماضي.
لن يكون السؤال: هل بقيت الحركة متماسكة؟
بل سيكون:
هل ساهمت في وقف حرب الإبادة؟
هل ساهمت في إنقاذ غزة؟
هل ساهمت في حماية الإنسان الفلسطيني؟
هل ساهمت في استعادة الوحدة الوطنية؟
هل ساهمت في إعادة بناء النظام السياسي؟
هل ساهمت في بلورة استراتيجية وطنية جديدة؟
وهنا يكمن التحدي الأكبر.
فالقيادة الجديدة مطالبة بالانتقال من إدارة تنظيم كبير إلى المساهمة في إدارة مرحلة وطنية تاريخية.
التقدير الاستراتيجي
تشير الانتخابات إلى أن حماس اختارت الاستقرار التنظيمي، لكنها لم تحسم بعد اتجاهها الاستراتيجي.
فالانتخابات أجابت عن سؤال: من يقود الحركة؟
لكنها لم تجب عن السؤال الأهم:
إلى أين ستقود الحركة؟
وهذا هو السؤال الذي ستناقشه الفصول التالية، انطلاقًا من فرضية أساسية مفادها أن نجاح القيادة الجديدة لن يتحقق عبر استمرارية النهج وحدها، وإنما عبر القدرة على استيعاب التحولات التاريخية، وإعادة التموضع داخل مشروع وطني فلسطيني جامع، يوازن بين المقاومة والسياسة، وبين الثوابت والواقعية، وبين حماية الإنسان واستمرار النضال الوطني.
الفصل الثاني
البيئة الاستراتيجية الجديدة
لماذا لم تعد معادلات ما قبل السابع من أكتوبر صالحة؟
لا يمكن فهم دلالات انتخاب خليل الحية، ولا تقييم الخيارات المطروحة أمام القيادة الجديدة، بمعزل عن التحول البنيوي الذي أحدثته حرب الإبادة المستمرة في البيئة الفلسطينية والإقليمية والدولية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بتغيير قيادة أو تعديل تكتيكات، بل بانتقال الصراع نفسه إلى مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها وأهدافها وأدواتها عن كل ما سبق.
لقد تأسست معظم المقاربات السياسية والعسكرية الفلسطينية، بما فيها مقاربات حركة حماس، على افتراضات نشأت في ظل بيئة كان الاحتلال فيها يسعى إلى إدارة الصراع، بينما يسعى الفلسطينيون إلى تغيير موازين القوى تدريجياً. أما اليوم، فإن هذه البيئة تبدلت بصورة جذرية، ولم يعد الصراع يدور فقط حول إدارة الاحتلال أو مقاومته، بل حول إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني نفسه.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: كيف تستمر المقاومة؟ بل: كيف يمكن حماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، ومنع تحويل نتائج حرب الإبادة إلى وقائع سياسية دائمة؟
أولاً: من إدارة الصراع إلى إعادة هندسة الواقع الفلسطيني
تكشف الحرب الجارية أن العقيدة الإسرائيلية شهدت تحولاً عميقاً.
ففي العقود السابقة، اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة تقوم على احتواء الصراع وإدارته، عبر مزيج من الردع العسكري، والحصار، والتوسع الاستيطاني، وإدارة الانقسام الفلسطيني، مع تجنب الانخراط في مشاريع إعادة تشكيل شاملة.
أما بعد السابع من أكتوبر، فقد انتقلت إسرائيل إلى مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة هندسة الواقع الفلسطيني، عبر مجموعة من السياسات المتزامنة:
استمرار حرب الإبادة الجماعية.
التدمير المنهجي للبنية العمرانية والاقتصادية.
تحويل التجويع إلى أداة حرب.
تهجير السكان قسراً أو دفعهم إلى الهجرة.
إقامة مناطق عازلة وممرات أمنية دائمة.
فرض وقائع جغرافية جديدة داخل قطاع غزة.
السعي إلى إنتاج نظام سياسي فلسطيني منزوع السيادة، محدود الوظيفة، وخاضع للرقابة الأمنية الإسرائيلية.
وهذا التحول يعني أن الاحتلال لم يعد يستهدف إضعاف حركة بعينها، وإنما يسعى إلى إعادة صياغة المجال الفلسطيني برمته بما يخدم مشروعه الاستعماري طويل الأمد.
ثانياً: استمرار حرب الإبادة يغيّر طبيعة الأولويات الوطنية
رغم الحديث المتكرر عن “اليوم التالي”، فإن الوقائع تؤكد أن الفلسطينيين ما زالوا داخل الحرب، لا بعدها.
فالقصف مستمر، والتجويع مستمر، وسياسات التهجير مستمرة، والاحتلال يواصل السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع، فيما تتعثر جهود وقف إطلاق النار، وتتكرر الخروقات بصورة يومية.
وهذا يعني أن ترتيب الأولويات الوطنية يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية:
إنقاذ غزة لم يعد ملفاً إنسانياً، بل أصبح أولوية وطنية واستراتيجية.
فإذا كان المشروع الوطني يفترض وجود شعب يدافع عنه، فإن حماية هذا الشعب تصبح مقدمة منطقية على أي هدف سياسي آخر.
ومن هنا، فإن إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على الوجود الوطني، ليست شعارات أخلاقية، بل شروطاً استراتيجية لاستمرار القضية الفلسطينية نفسها.
ثالثاً: تغير مفهوم الشرعية السياسية
أحدثت حرب الإبادة تحولاً في معايير الحكم على الأداء السياسي.
ففي مراحل سابقة، ارتبطت شرعية الفصائل بدرجة كبيرة بقدرتها على مقاومة الاحتلال أو تحقيق إنجازات عسكرية أو سياسية.
أما اليوم، فقد أضاف المجتمع الفلسطيني معياراً جديداً يتمثل في:
القدرة على حماية المدنيين.
الحد من الكلفة الإنسانية.
الحفاظ على مقومات الحياة.
توفير شروط الصمود.
حماية النسيج الاجتماعي.
المساهمة في إنهاء الحرب.
وهذا لا ينتقص من مكانة المقاومة، وإنما يعيد تعريف وظيفتها.
فلم يعد السؤال: كيف نقاتل؟
بل أصبح: كيف نقاتل ونحافظ في الوقت نفسه على الإنسان الذي يحمل المشروع الوطني؟
إن أي مشروع تحرري يفقد شعبه، أو يعجز عن حماية وجوده، يصبح معرضاً لفقدان مبرر وجوده التاريخي.
رابعاً: التحولات الإقليمية والدولية
تزامنت حرب الإبادة مع تحولات واسعة في البيئة الإقليمية والدولية.
فعلى المستوى الإقليمي، فرضت المواجهة بين إسرائيل وإيران، وما رافقها من إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي، واقعاً جديداً أصبحت فيه القضية الفلسطينية جزءاً من شبكة صراعات أوسع، ولم تعد وحدها مركز الاهتمام.
كما أن عدداً من الدول العربية بات ينظر إلى استقرار الإقليم، ومنع تمدد الحرب، باعتباره أولوية تتقدم على كثير من الملفات الأخرى، الأمر الذي قلّص هامش الحركة أمام الفاعلين الفلسطينيين.
أما دولياً، فقد كشفت الحرب حدود النظام الدولي القائم، وعجزه عن فرض احترام القانون الدولي، رغم اتساع دائرة الاعتراف بجرائم الإبادة، وصدور مواقف وأحكام وإجراءات قانونية مهمة.
وفي المقابل، استمرت الولايات المتحدة في توفير الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل، بما عزز قناعة متزايدة بأن ميزان القوة ما زال يحكم إدارة الصراع، حتى في مواجهة الإجماع القانوني والأخلاقي الدولي.
خامساً: أزمة العقل السياسي الفلسطيني
تكشف هذه التحولات أن الأزمة لا تقتصر على حركة حماس، ولا على السلطة الفلسطينية، وإنما تطال العقل السياسي الفلسطيني بأسره.
فمعظم القوى السياسية ما زالت تتحرك داخل أطر تحليلية تشكلت في بيئة لم تعد قائمة، بينما يتحرك الاحتلال وفق استراتيجية جديدة أكثر شمولاً وعدوانية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاعتراف بحدود الواقع، وإنما في تحويل هذه الحدود إلى حقائق نهائية، والتعامل معها بوصفها قدراً لا يمكن تغييره.
وفي المقابل، فإن الخطر الآخر يتمثل في إنكار التحولات، والاستمرار في استخدام أدوات وسياسات لم تعد قادرة على إنتاج النتائج نفسها.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس التخلي عن الثوابت الوطنية، بل تجديد الفكر السياسي الفلسطيني، بحيث يجمع بين الواقعية الاستراتيجية والطموح الوطني، وبين المرونة التكتيكية والثبات على الأهداف.
التقدير الاستراتيجي
تشير مجمل المؤشرات إلى أن البيئة التي تتحرك فيها القيادة الجديدة تختلف جذرياً عن البيئة التي أنتجت سياسات العقدين الماضيين.
ولذلك، فإن استمرار النهج نفسه، حتى لو نجح في المحافظة على التماسك التنظيمي، لن يكون كافياً لحماية المشروع الوطني الفلسطيني.
فالمرحلة الراهنة تفرض انتقالاً من إدارة الصراع إلى إدارة معركة البقاء الوطني، ومن التفكير في حماية التنظيم إلى التفكير في حماية المجتمع، ومن العمل الفصائلي المنفرد إلى الإسهام في إدارة مشروع وطني شامل، يقوم على الشراكة، ووحدة القيادة، والاستراتيجية النضالية الموحدة.
وهذا ما يجعل إعادة التموضع الاستراتيجي ضرورة وطنية، وليس خياراً تنظيمياً، ويجعل المراجعة الفكرية والسياسية شرطاً لاستمرار الفعل الوطني، لا تعبيراً عن التراجع أو الهزيمة.
الفصل الثالث
خطاب خليل الحية…
بين استمرارية الخطاب وغياب الرؤية الاستراتيجية الجديدة
يشكل الخطاب الأول للدكتور خليل الحية بعد انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس وثيقة سياسية بالغة الأهمية، ليس لأنه يقدم برنامجًا تفصيليًا للمرحلة المقبلة، وإنما لأنه يكشف طبيعة الإدراك السياسي الذي تتحرك من خلاله القيادة الجديدة، ويعكس حدود المراجعة التي أبدتها الحركة بعد ما يقارب عامين من حرب الإبادة.
فالخطابات المؤسسة عادة ما تؤدي ثلاث وظائف رئيسية:
تفسير ما حدث.
تقديم رؤية للمرحلة المقبلة.
إعادة بناء العلاقة مع المجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن خطاب الحية لا يُقرأ باعتباره خطابًا تعبويًا فحسب، بل باعتباره إعلانًا سياسيًا عن كيفية فهم الحركة للواقع الجديد.
والسؤال المركزي هنا هو:
هل قدّم الخطاب رؤية جديدة تتناسب مع التحولات التي فرضتها حرب الإبادة، أم أعاد إنتاج الخطاب الذي سبقها؟
أولاً: خطاب يؤكد الثوابت… لكنه لا يفسر التحولات
تضمن الخطاب تأكيدًا واضحًا على الثوابت التقليدية للحركة:
استمرار المقاومة.
تحرير فلسطين.
القدس.
الأسرى.
إعادة إعمار غزة.
وقف العدوان.
إعادة بناء منظمة التحرير.
الشراكة الوطنية.
وهي جميعها أهداف وطنية تحظى بإجماع فلسطيني واسع.
لكن المشكلة لا تكمن في الأهداف، بل في غياب الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحًا:
كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف في البيئة الجديدة؟
فالخطاب تحدث عن الغايات، لكنه لم يناقش الوسائل الجديدة المطلوبة للوصول إليها.
ثانياً: غياب الرواية الوطنية الجامعة
من أكثر ما يلفت الانتباه أن الخطاب ظل يتحرك داخل الذاكرة التنظيمية للحركة أكثر من تحركه داخل الذاكرة الوطنية الفلسطينية الجامعة.
فلم يتوقف عند:
انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة.
الإرث الوطني الجامع.
تضحيات مختلف القوى الوطنية.
تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.
الشهداء والأسرى من مختلف الفصائل.
كما غابت الإشارة إلى الإنجازات الوطنية التي راكمها الشعب الفلسطيني طوال العقود الماضية، وفي مقدمتها:
تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية.
الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني.
الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
المكانة القانونية التي راكمتها القضية الفلسطينية داخل الأمم المتحدة والمحاكم الدولية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالمجاملة السياسية، وإنما ببناء رواية وطنية جامعة.
فالمعارك الكبرى لا تُخاض بذاكرة تنظيم، وإنما بذاكرة شعب.
ثالثاً: غياب المراجعة
لعل أكثر ما افتقده الخطاب هو غياب أي مراجعة سياسية أو فكرية.
لم يتناول الخطاب أسئلة من قبيل:
ماذا تعلمت الحركة من الحرب؟
كيف تقيم نتائجها؟
هل كانت القرارات جميعها صائبة؟
هل تغيرت البيئة السياسية؟
هل تحتاج الحركة إلى مراجعة؟
وهذه ليست أسئلة يطرحها الخصوم.
إنها الأسئلة التي يطرحها المجتمع الفلسطيني نفسه.
لقد دفعت غزة أثمانًا غير مسبوقة.
ومن الطبيعي أن ينتظر الناس من قيادتهم مراجعة مسؤولة، لا تبريرًا دائمًا.
فالمراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة.
بل شرطًا لاستمرار أي حركة سياسية.
أما تحويل التجربة إلى منطقة محرمة على النقد، فإنه يفتح الباب أمام تكرار الأخطاء.
رابعاً: خطاب ما قبل السابع من أكتوبر
من الناحية التحليلية، يبدو الخطاب أقرب إلى خطاب ما قبل السابع من أكتوبر.
فهو يتحدث كما لو أن البيئة السياسية لم تتغير جذريًا.
وكأن:
غزة لم تُدمر.
المجتمع لم يتغير.
إسرائيل لم تنتقل إلى مشروع إعادة هندسة الواقع الفلسطيني.
البيئة الإقليمية لم تُعد ترتيب أولوياتها.
المجتمع الدولي لم يدخل مرحلة جديدة.
ولهذا بدا الخطاب منفصلًا نسبيًا عن التحولات البنيوية التي فرضتها الحرب.
فهو يعيد إنتاج اللغة نفسها، بينما تغيرت طبيعة الصراع.
خامساً: غياب تصور لليوم التالي
ركز الخطاب على:
وقف الحرب.
إعادة الإعمار.
فك الحصار.
لكنه لم يناقش:
من سيدير غزة؟
كيف ستدار العلاقة مع السلطة الفلسطينية؟
كيف سيعاد بناء النظام السياسي؟
كيف ستعالج قضية السلاح؟
كيف يمكن منع تحويل غزة إلى كيان منفصل؟
كيف يمكن استعادة الوحدة الوطنية؟
وهذه كلها أسئلة أصبحت في صميم النقاش الفلسطيني والإقليمي والدولي.
ولذلك بدا الخطاب وكأنه يتحدث عن أهداف عامة، دون أن يقدم تصورًا استراتيجيًا لتحقيقها.
سادساً: أين الإنسان الفلسطيني؟
ربما يكون أكثر ما يميز المرحلة الحالية أن الإنسان الفلسطيني أصبح مركز الصراع.
لكن الخطاب بقي يتحرك أساسًا حول:
المقاومة.
المشروع.
الحركة.
بينما لم يتحول الإنسان الفلسطيني إلى محور الرؤية السياسية الجديدة.
واليوم لم يعد ممكناً الحديث عن أي مشروع تحرري لا يجعل:
حماية الإنسان،
ومنع التهجير،
وإنقاذ غزة،
والحفاظ على الوجود الوطني،
أولوية استراتيجية تتقدم على كل ما عداها.
فالإنسان لم يعد مجرد حاضنة للمشروع الوطني.
بل أصبح المشروع الوطني نفسه مهددًا بفقدانه.
سابعاً: المقاومة كغاية أم كأداة؟
أعاد الخطاب التأكيد على المقاومة باعتبارها الخيار المركزي.
لكن المرحلة الحالية تفرض سؤالًا مختلفًا:
ما وظيفة المقاومة؟
فالتحرر الوطني لا يتحقق بالمقاومة المجردة، وإنما بتحويلها إلى أداة داخل استراتيجية وطنية متكاملة.
وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في الدفاع عن شرعية المقاومة، فهي حق مشروع كفلته القوانين الدولية، وإنما في إعادة تعريف موقعها داخل المشروع الوطني بحيث تصبح:
أداة لحماية المجتمع.
وأداة لمنع تصفية القضية.
وأداة لتحسين الموقع السياسي الفلسطيني.
وليس غاية مستقلة عن بقية عناصر المشروع الوطني.
ثامناً: الخطاب وما لم يقله
أحيانًا يكون ما يغيب عن الخطاب أكثر أهمية مما يرد فيه.
فالخطاب لم يتناول:
مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
إصلاح منظمة التحرير.
إصلاح السلطة.
الانتخابات.
القيادة الوطنية الموحدة.
استراتيجية نضالية وطنية موحدة.
إعادة توزيع الأدوار داخل الحركة الوطنية.
وهذه الملفات ستكون هي جوهر الصراع السياسي خلال السنوات المقبلة.
التقدير الاستراتيجي
لا يعكس خطاب خليل الحية أزمة في الثوابت الوطنية، بل أزمة في تحديث المقاربة السياسية.
فالخطاب حافظ على الأهداف الكبرى، لكنه لم يقدم تصورًا جديدًا للوسائل، ولم يطرح مراجعة تستجيب للتحولات العميقة التي فرضتها حرب الإبادة.
وبذلك يمكن القول إن الخطاب يعكس استمرارية في اللغة السياسية أكثر مما يعكس تحولًا في الفكر السياسي.
غير أن ذلك لا يعني أن القيادة الجديدة عاجزة عن تطوير رؤيتها، بل يعني أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد.
وسيكون معيار نجاحها هو مدى قدرتها على الانتقال من خطاب يؤكد الثوابت، إلى مشروع سياسي وطني جديد، يدمج بين المقاومة والسياسة، وبين حماية الإنسان الفلسطيني وصون الوجود الوطني، وبين الواقعية الاستراتيجية والثبات على الحقوق الوطنية، بما يمكنها من المساهمة في إدارة مشروع وطني شامل، يقوم على الشراكة، والقيادة الموحدة، والاستراتيجية النضالية الموحدة، وإعادة تموضع حركة حماس بما ينسجم مع موازين القوى والتحولات الراهنة، دون التفريط بالثوابت الوطنية أو بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال.
الفصل الرابع
معضلة القيادة الجديدة
بين إنقاذ الحركة، وإنقاذ غزة، وحماية الوجود الوطني الفلسطيني
إذا كانت الانتخابات الداخلية قد منحت خليل الحية شرعية تنظيمية كاملة، فإنها لم تمنحه بيئة سياسية تسمح بإدارة المرحلة بالأدوات التقليدية.
فالقيادة الجديدة لا تواجه أزمة انتقال قيادة، وإنما تواجه أزمة انتقال تاريخي، حيث تتداخل أربعة مستويات من الأزمات في وقت واحد:
أزمة الحركة.
أزمة غزة.
أزمة النظام السياسي الفلسطيني.
أزمة المشروع الوطني.

وهذا ما يجعل أي قرار تتخذه القيادة الجديدة قرارًا متعدد الأبعاد، لا ينعكس على الحركة وحدها، بل على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
أولاً: المعضلة الأولى
كيف تحافظ على الحركة دون أن تتحول الحركة إلى غاية؟
كل حركات التحرر تواجه في مرحلة معينة سؤالاً بالغ الصعوبة:
هل الأولوية لحماية التنظيم؟
أم لحماية المشروع الوطني؟
أم لحماية المجتمع؟
في الظروف الطبيعية لا يبدو هناك تعارض.
لكن في لحظات الانهيار التاريخي يصبح التعارض حقيقيًا.
فقد تميل القيادة إلى:
حماية التنظيم.
إعادة بناء بنيته.
الحفاظ على وحدته.
الدفاع عن شرعيته.
بينما تصبح الأولوية الوطنية مختلفة:
إنقاذ غزة.
حماية السكان.
وقف الإبادة.
منع التهجير.
إعادة بناء النظام السياسي.
ومن هنا فإن أخطر ما قد تواجهه القيادة الجديدة هو الوقوع في ما يمكن تسميته:
“مركزية التنظيم على حساب مركزية القضية.”
فالحركة جزء من المشروع الوطني.
وليست المشروع الوطني نفسه.
ثانياً: المعضلة الثانية
كيف تحمي المقاومة دون أن تتحول إلى عبء على المجتمع؟
لا يوجد خلاف داخل الشعب الفلسطيني حول شرعية مقاومة الاحتلال.
لكن الجدل الحقيقي أصبح يدور حول:
كيف تُدار المقاومة؟
وما علاقتها بالمجتمع؟
فالخبرة التاريخية تشير إلى أن المقاومة تصبح أكثر قوة عندما:
تحمي المجتمع.
تحافظ على وحدته.
تعمل ضمن رؤية سياسية.
تمتلك أهدافًا قابلة للتحقق.
أما عندما تصبح منفصلة عن البيئة السياسية والاجتماعية، فإنها قد تتحول – دون قصد – إلى عنصر استنزاف دائم.
وهنا تصبح الوظيفة الاستراتيجية للمقاومة أكثر أهمية من مجرد استمرارها.
فالنجاح لا يقاس بعدد سنوات القتال فقط.
بل بقدرتها على خدمة المشروع الوطني.
ثالثاً: المعضلة الثالثة
العلاقة بين الحكم والمقاومة
منذ عام 2007 تعيش حماس معضلة مزدوجة:
حركة مقاومة.
وسلطة في غزة
وقد فرضت الحرب الحالية إعادة طرح السؤال بصورة أكثر حدة:
هل تستطيع الحركة الاستمرار في الجمع بين:
المقاومة.
والحكم.
بعد كل ما جرى؟
إن التجارب التاريخية لحركات التحرر تشير إلى أن الجمع بين السلطتين:
العسكرية
والمدنية
داخل تنظيم واحد يصبح أكثر تعقيدًا كلما طال الزمن.
ولا يتعلق الأمر هنا بموقف سياسي مسبق، بل بإشكالية بنيوية.
لأن إدارة المجتمع تختلف عن إدارة المقاومة.
وإدارة الدولة تختلف عن إدارة التنظيم.
ومن هنا فإن أحد أهم أسئلة المرحلة المقبلة سيكون:
هل تعيد الحركة تعريف دورها السياسي؟
أم تستمر في الجمع بين الوظيفتين؟
رابعاً: المعضلة الرابعة
السلاح…
من رمز للسيادة إلى موضوع للتفاوض
لم يعد النقاش يدور حول:
هل يبقى السلاح؟
أم يزال؟
بل أصبح السؤال الحقيقي:
كيف يخدم السلاح المشروع الوطني؟
لقد أصبح السلاح جزءًا من:
المفاوضات.
الضغوط الدولية.
الترتيبات الأمنية.
مستقبل إعادة الإعمار.
لكن تحويل السلاح إلى قضية مستقلة عن المشروع الوطني يحمل مخاطر كبيرة.
فالغاية ليست الدفاع عن السلاح.
بل الدفاع عن الحق الفلسطيني.
وعندما يصبح السلاح وسيلة لحماية هذا الحق فإنه يحتفظ بشرعيته.
أما إذا أصبح غاية مستقلة فإنه يفقد وظيفته السياسية.
ومن هنا فإن إعادة تعريف وظيفة القوة ستكون إحدى أصعب مهام القيادة الجديدة.
خامساً: المعضلة الخامسة
العلاقة مع السلطة الفلسطينية
لم تعد العلاقة مع السلطة مجرد خلاف سياسي.
بل أصبحت جزءًا من مستقبل القضية.
فاستمرار الانقسام يعني عمليًا:
وجود مشروعين سياسيين.
مؤسستين.
شرعيتين.
وفدين.
إدارتين.
في وقت يعمل الاحتلال على فرض مشروع واحد.
ومن هنا فإن أي قيادة فلسطينية لن تستطيع مواجهة المشروع الإسرائيلي وهي منقسمة داخليًا.
ولذلك فإن إعادة بناء العلاقة مع السلطة لم تعد خيارًا أخلاقيًا.
بل أصبحت ضرورة استراتيجية.
سادساً: المعضلة السادسة
العلاقة مع منظمة التحرير
رغم كل ما تعرضت له منظمة التحرير من ضعف وتراجع، فإنها ما تزال:
الكيان المعترف به دوليًا.
المرجعية القانونية للقضية.
الإطار الوطني الأوسع.
ولهذا فإن البديل لا ينبغي أن يكون تجاوز المنظمة.
بل إعادة بنائها.
وتطويرها.
وتوسيعها.
وتجديد شرعيتها.
بما يسمح بدمج جميع القوى الوطنية داخلها.
فالبديل عن إصلاح المنظمة ليس منظمة جديدة.
بل مزيدًا من التفكك الوطني.
سابعاً: المعضلة السابعة
بين الواقعية السياسية والاستسلام
واحدة من أخطر الإشكاليات الفكرية في هذه المرحلة هي الخلط بين:
الواقعية
والاستسلام.
فالواقعية السياسية لا تعني:
التخلي عن الحقوق.
كما أن التمسك بالحقوق لا يعني تجاهل موازين القوى.
والمعضلة الحقيقية ليست في الاعتراف بحدود الواقع.
بل في تحويل هذه الحدود إلى سقف دائم للأهداف الوطنية.
فالسياسة الناجحة هي التي:
تدير الواقع.
وتعمل في الوقت نفسه على تغييره.
وهذا هو الفرق بين:
إدارة الأزمة.
وصناعة المستقبل.
ثامناً: المعضلة المركزية
من يقود المشروع الوطني؟
قد يكون هذا هو السؤال الأكبر.
فهل تستطيع حركة واحدة قيادة المشروع الوطني وحدها؟
التجربة الفلسطينية تقول:
لا.
كما أن تجربة منظمة التحرير نفسها قامت على فكرة:
الجبهة الوطنية.
والقيادة الجماعية.
والتمثيل الواسع.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس أن تقود حماس المشروع الوطني وحدها.
بل أن تسهم في إدارة مشروع وطني شامل، بالشراكة مع جميع القوى، من خلال:
قيادة وطنية موحدة.
استراتيجية نضالية موحدة.
إعادة بناء منظمة التحرير.
إصلاح السلطة الفلسطينية.
انتخابات عامة شاملة مع توفير ظروف إجراءها بنزاهة
توزيع متوازن للأدوار والمسؤوليات.
فالقضية الفلسطينية أصبحت أكبر من أن يحملها فصيل واحد، وأخطر من أن تبقى رهينة الانقسام أو التنافس على القيادة.
التقدير الاستراتيجي
تكشف هذه المعضلات أن القيادة الجديدة لا تواجه اختبارًا تنظيميًا، بل اختبارًا تاريخيًا.
فقدرتها على الحفاظ على وحدة الحركة ستظل مهمة، لكنها لن تكون كافية.
أما معيار النجاح الحقيقي فسيتمثل في قدرتها على الإسهام في الانتقال من إدارة التنظيم إلى المساهمة في إدارة مشروع وطني شامل، يقوم على إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، واستعادة الوحدة الوطنية، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتطوير استراتيجية نضالية موحدة تستوعب مختلف أدوات الكفاح، وتعيد تموضع حركة حماس ضمن موازين القوى الجديدة، بما يعزز المشروع الوطني ولا يختزله في إطار فصائلي.
هذا الانتقال ليس تنازلًا عن المقاومة، بل إعادة إدماجها في استراتيجية وطنية أشمل، تجعلها وسيلة لتحقيق الأهداف الوطنية، لا هدفًا قائمًا بذاته.
الفصل الخامس
البدائل الاستراتيجية والسيناريوهات المحتملة
إلى أين يمكن أن تتجه قيادة حماس الجديدة؟
إن انتخاب خليل الحية لا يمثل نهاية أزمة القيادة داخل حركة حماس، بل بداية مرحلة جديدة تتعلق بإعادة تعريف وظيفة الحركة وموقعها ودورها في ظل بيئة فلسطينية وإقليمية ودولية مختلفة جذريًا عن تلك التي حكمت مسارها خلال العقدين الماضيين.
فالسؤال الذي يواجه القيادة الجديدة لم يعد: كيف تحافظ على الحركة؟ بل أصبح: كيف تسهم في حماية المشروع الوطني الفلسطيني ومنع انهياره؟
ولذلك فإن مستقبل الحركة لن يتحدد فقط بقراراتها الداخلية، بل بقدرتها على قراءة التحولات، والتكيف معها، والمساهمة في إنتاج مقاربة وطنية جديدة.
ومن خلال تحليل البيئة الاستراتيجية الراهنة يمكن رسم أربعة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول
استمرارية النهج
(إدارة الأزمة دون تغيير الاستراتيجية)
يقوم هذا السيناريو على افتراض أن القيادة الجديدة ستعتبر انتخابها تفويضًا للاستمرار في السياسات السابقة، مع بعض التعديلات التكتيكية، دون مراجعة فكرية أو سياسية حقيقية.
مؤشرات السيناريو
استمرار الخطاب التعبوي التقليدي.
غياب المراجعة النقدية.
استمرار الفصل بين غزة والضفة عمليًا.
الإبقاء على العلاقة المتوترة مع السلطة الفلسطينية.
استمرار هيمنة الاعتبارات التنظيمية على الاعتبارات الوطنية.
تأجيل الإصلاحات الداخلية.
التعامل مع ملف السلاح بوصفه قضية منفصلة عن مجمل التسوية الوطنية.
النتائج المتوقعة

قد يوفر هذا السيناريو تماسكًا تنظيميًا مؤقتًا، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة، منها:
استمرار عزلة الحركة سياسيًا.
تعثر إعادة الإعمار.
تعميق الأزمة الإنسانية.
تراجع الثقة الشعبية.
إطالة أمد الانقسام.
منح إسرائيل مزيدًا من الوقت لترسيخ مشروعها لإعادة هندسة غزة.
وبذلك يصبح هذا السيناريو إدارة للأزمة، لا مخرجًا منها.
السيناريو الثاني
المراجعة الجزئية
(تحسين الأداء دون تغيير الرؤية)
يفترض هذا السيناريو أن تبادر القيادة الجديدة إلى إدخال تعديلات سياسية وتنظيمية محدودة، دون المساس بالبنية الفكرية أو الاستراتيجية الأساسية.
ويشمل ذلك
تحسين العلاقات مع الوسطاء.
تطوير الأداء السياسي.
تعزيز الحوار الوطني.
قدر أكبر من المرونة التفاوضية.
تطوير آليات اتخاذ القرار.
مراجعة بعض السياسات التنفيذية.
الإيجابيات
يخفف الضغوط الخارجية.
يحسن صورة الحركة.
يمنحها هامشًا سياسيًا أكبر.
يفتح قنوات جديدة للحوار.
السلبيات
يبقى هذا السيناريو محدودًا لأنه لا يعالج جذور الأزمة، إذ يكتفي بتحسين الإدارة دون إعادة تعريف المشروع السياسي.
فالتحولات التي فرضتها حرب الإبادة تتطلب مراجعة في الفكر السياسي، وليس فقط في الأدوات الإدارية.
السيناريو الثالث
إعادة التموضع الاستراتيجي
(السيناريو الأكثر واقعية وجدوى)
يمثل هذا السيناريو انتقال الحركة من مرحلة الدفاع عن التجربة السابقة إلى مرحلة إعادة بناء دورها في إطار المشروع الوطني الفلسطيني.
ولا يعني ذلك التخلي عن المقاومة، أو التراجع عن الحقوق الوطنية، بل إعادة تعريف الوسائل التي تخدم هذه الحقوق في ظل الواقع الجديد.
يقوم هذا السيناريو على ثمانية مرتكزات
أولًا

اعتبار إنقاذ غزة أولوية وطنية عليا.
ثانيًا
اعتبار حماية الإنسان الفلسطيني وصون الوجود الوطني أساس أي استراتيجية.
ثالثًا
إطلاق مراجعة سياسية وتنظيمية وفكرية مسؤولة لتجربة الحركة قبل السابع من أكتوبر وبعده.
رابعًا
إعادة تعريف وظيفة المقاومة بوصفها أداة ضمن استراتيجية وطنية شاملة، لا مشروعًا قائمًا بذاته.
خامسًا
إعادة تموضع الحركة سياسيًا، بما يسمح لها بالمساهمة في إدارة المشروع الوطني، لا احتكاره.
سادسًا
استعادة الوحدة الوطنية، والمشاركة في إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وشراكة حقيقية.
سابعًا
الموافقة على إدارة انتقالية توافقية لقطاع غزة، بما يضمن إنهاء الانقسام، ويمنع تكريس الفصل الجغرافي والسياسي.
ثامنًا
القبول بقيادة وطنية موحدة، واستراتيجية نضالية موحدة، وتوزيع متوازن للأدوار بين مختلف مكونات الحركة الوطنية.
التعامل مع قضية السلاح
في هذا السيناريو لا يُطرح السلاح باعتباره مسألة أيديولوجية، ولا باعتباره هدفًا في ذاته، وإنما باعتباره جزءًا من استراتيجية التحرر الوطني.
ومن ثم فإن أي مقاربة مستقبلية يجب أن تقوم على المبادئ الآتية:
ربط مستقبل السلاح بانسحاب الاحتلال الكامل من قطاع غزة.
ربطه بوقف العدوان ورفع الحصار.
ربطه بإعادة الإعمار وضمان عدم تجدد الحرب.
إدماجه ضمن منظومة أمنية ووطنية فلسطينية يجري التوافق عليها.
الحفاظ على الحق المشروع للشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي.
وبذلك يصبح النقاش حول السلاح جزءًا من مشروع بناء الدولة الوطنية، لا عقبة أمامها.
الوفد الفلسطيني الموحد
انطلاقًا من أن المفاوضات الحالية تتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني، لا بمستقبل أي فصيل، فإن الورقة ترى أن الخيار الأمثل يتمثل في:
تشكيل وفد تفاوضي فلسطيني موحد يضم:
منظمة التحرير الفلسطينية.
السلطة الفلسطينية.
حركة حماس.
الفصائل الوطنية والإسلامية.
الشخصيات الوطنية المستقلة.
وإذا تعذر ذلك، فإن الحد الأدنى يتمثل في تشكيل إطار وطني واسع يضمن الشراكة في القرار التفاوضي، لأن استمرار تعدد المرجعيات يضعف الموقف الفلسطيني ويمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة.
السيناريو الرابع
الانزلاق نحو التفكك
وهو السيناريو الأخطر، ويتحقق إذا اجتمعت العناصر الآتية:
استمرار حرب الإبادة.
فشل المفاوضات.
غياب المراجعة.
استمرار الانقسام.
تعثر إعادة الإعمار.
فقدان الثقة الشعبية.
تراجع الدعم العربي والدولي.
النتائج المحتملة
تكريس الانفصال بين غزة والضفة الغربية.
استمرار السيطرة الإسرائيلية الواسعة على القطاع.
تآكل النظام السياسي الفلسطيني.
تصاعد الهجرة والنزوح.
تراجع مكانة القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا.
انتقال الصراع من صراع تحرر وطني إلى صراع على البقاء الإنساني.
وهذا السيناريو لا يمثل خطرًا على حركة حماس وحدها، بل على مستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية برمتها.
—
التقدير الاستراتيجي
تشير المؤشرات إلى أن السيناريو الثالث، القائم على إعادة التموضع الاستراتيجي، هو السيناريو الأكثر قدرة على حماية المصالح الوطنية الفلسطينية.
غير أن تحقيقه يتطلب شجاعة سياسية وفكرية، واستعدادًا للمراجعة، والانتقال من منطق المنافسة الفصائلية إلى منطق الشراكة الوطنية.
فالمرحلة الراهنة لم تعد تسمح لأي طرف بادعاء القدرة على إدارة القضية الفلسطينية منفردًا، كما لم تعد تسمح باستمرار الانقسام أو الاكتفاء بإدارة الأزمة.
إن نجاح القيادة الجديدة لن يُقاس بقدرتها على الحفاظ على البنية التنظيمية لحركة حماس فحسب، بل بقدرتها على المساهمة في بلورة مشروع وطني جامع، يضع إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، واستعادة الوحدة الوطنية، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، في مقدمة الأولويات، ويؤسس لاستراتيجية نضالية موحدة تتناسب مع التحولات التي فرضتها حرب الإبادة وموازين القوى الجديدة.
ويبقى السؤال الحاسم الذي تتناوله خاتمة الورقة: هل تمتلك قيادة حماس الجديدة الإرادة للانتقال من شرعية المقاومة إلى شرعية المساهمة في قيادة الإنقاذ الوطني، أم أن استمرارية النهج ستقود إلى استنزاف الحركة والقضية معًا؟
الفصل السادس
الاستنتاج الاستراتيجي
نحو إعادة تعريف دور حماس داخل المشروع الوطني الفلسطيني
تكشف القراءة الاستراتيجية لانتخاب الدكتور خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس أن الحركة تقف اليوم عند واحدة من أهم لحظاتها التاريخية منذ تأسيسها. فليست القضية قضية انتقال قيادة، ولا مجرد إعادة توزيع للمواقع التنظيمية، وإنما تتعلق بإعادة تعريف وظيفة الحركة نفسها في ظل بيئة فلسطينية وإقليمية ودولية تبدلت بصورة عميقة تحت تأثير حرب الإبادة المستمرة.
لقد نجحت حركة حماس، على امتداد ما يقارب أربعة عقود، في ترسيخ حضورها بوصفها أحد أهم مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، واستطاعت أن تفرض نفسها لاعبًا رئيسيًا في معادلة الصراع مع الاحتلال، وقدمت تضحيات جسيمة وقوافل طويلة من الشهداء والأسرى والجرحى، وأسهمت، إلى جانب مختلف القوى الوطنية، في إبقاء القضية الفلسطينية حية في الوعي العربي والإسلامي والدولي.
غير أن الحركات التاريخية لا تُقاس فقط بما أنجزته في الماضي، وإنما بقدرتها على قراءة التحولات والاستجابة لها. وهنا يكمن جوهر التحدي الذي تواجهه القيادة الجديدة.
إن البيئة التي تتحرك فيها حماس اليوم لم تعد هي البيئة التي تشكلت فيها استراتيجياتها السابقة. فإسرائيل انتقلت من سياسة إدارة الصراع إلى محاولة إعادة هندسة الواقع الفلسطيني، عبر الإبادة الجماعية، والتجويع، والتدمير المنهجي، والتهجير، وتقويض مقومات الحياة في غزة، والسعي إلى فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تُضعف المشروع الوطني الفلسطيني وتعيد تشكيله وفق الرؤية الإسرائيلية.
وفي المقابل، فإن النظام السياسي الفلسطيني يعيش أزمة بنيوية عميقة، تتجسد في استمرار الانقسام، وتآكل المؤسسات الوطنية، وضعف القدرة على إنتاج قيادة موحدة أو استراتيجية وطنية جامعة، بينما تشهد البيئة الإقليمية تحولات متسارعة تعيد ترتيب الأولويات والتحالفات، في ظل انشغال القوى الدولية والإقليمية بحسابات الأمن والاستقرار أكثر من انشغالها بإنصاف الحقوق الوطنية الفلسطينية.
في ضوء ذلك، فإن المعضلة الحقيقية لا تتمثل في مستقبل حركة حماس وحدها، بل في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بأسره. فالسؤال لم يعد: كيف تستمر الحركة؟ وإنما: كيف يمكن أن تسهم الحركة، مع غيرها من القوى الوطنية، في حماية الشعب الفلسطيني وصون وجوده الوطني وإعادة بناء مشروعه التحرري؟
ومن هنا، ترى هذه الورقة أن الأولوية الاستراتيجية ينبغي أن تنتقل من منطق إدارة التنظيم إلى منطق المساهمة في إدارة مشروع وطني شامل، يقوم على الشراكة، والتعددية، ووحدة القرار، وتكامل أدوات النضال، بما يسمح بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني واستعادة المبادرة الوطنية.
إن إنقاذ غزة، وحماية الإنسان الفلسطيني، وصون الوجود الوطني، ليست شعارات إنسانية أو أخلاقية فحسب، بل هي اليوم جوهر المعركة الوطنية. فبدون الإنسان لا يبقى مشروع وطني، وبدون بقاء المجتمع الفلسطيني على أرضه تفقد كل أدوات النضال معناها.
ولهذا، فإن حماية المجتمع الفلسطيني يجب أن تصبح المعيار الأول لأي قرار سياسي أو عسكري، وأن تُعاد صياغة العلاقة بين المقاومة والسياسة بحيث تكون المقاومة جزءًا من استراتيجية وطنية متكاملة، لا إطارًا منفصلًا عنها، وبحيث تخدم هدف التحرر الوطني، وتحافظ في الوقت نفسه على مقومات الصمود والبقاء.
كما ترى الورقة أن إعادة بناء الوحدة الوطنية لم تعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، وإنما أصبحت شرطًا وجوديًا. فلا تستطيع أي قوة فلسطينية، مهما بلغت إمكاناتها، أن تواجه منفردة مشروعًا استعماريًا بهذا الحجم، كما أن استمرار الانقسام يمنح الاحتلال فرصة دائمة لتفكيك المجتمع الفلسطيني وتكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية.
وعليه، فإن المطلوب ليس أن تقود حركة حماس المشروع الوطني وحدها، ولا أن تُقصى عنه، بل أن تعيد تموضعها بوصفها مكونًا رئيسيًا من مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، يسهم مع سائر القوى في صياغة استراتيجية وطنية موحدة، وقيادة وطنية موحدة، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية، وإطلاق عملية إصلاح شاملة للنظام السياسي، بما يضمن مشاركة الجميع في تحمل المسؤولية الوطنية.
إن إعادة التموضع الاستراتيجي التي تدعو إليها هذه الورقة لا تعني التخلي عن الثوابت الوطنية، ولا عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وإنما تعني إعادة تعريف الوسائل بما يتناسب مع التحولات الراهنة، والانتقال من إدارة ردود الفعل إلى بناء مشروع سياسي قادر على تغيير موازين القوى تدريجيًا، واستثمار الصمود الشعبي، والشرعية القانونية الدولية، والدعم العربي والإسلامي والدولي، في إطار رؤية وطنية موحدة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين المرونة الاستراتيجية والتنازل السياسي؛ فالمرونة هي قدرة الحركة الوطنية على إعادة ترتيب أولوياتها وأدواتها بما يخدم أهدافها الكبرى، أما التنازل فهو إعادة تعريف تلك الأهداف وفق ما يفرضه الخصم. والتاريخ يعلمنا أن حركات التحرر التي نجحت لم تكن تلك التي تمسكت بأدوات ثابتة، بل التي حافظت على أهدافها، وأبدعت في تطوير وسائل تحقيقها.
ختامًا، فإن انتخاب خليل الحية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية مرحلة أو استمرارًا آليًا لها، بل باعتباره بداية اختبار تاريخي جديد. وسيبقى معيار النجاح الحقيقي للقيادة الجديدة هو قدرتها على الإسهام، مع بقية مكونات الحركة الوطنية، في الانتقال من مرحلة الاستنزاف والانقسام إلى مرحلة الإنقاذ الوطني، ومن إدارة الصراع إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، تحمي الإنسان الفلسطيني، وتصون الوجود الوطني، وتستعيد وحدة النظام السياسي، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني بوصفه مشروعًا جامعًا لكل أبناء الشعب الفلسطيني، لا مشروعًا فصائليًا لأي قوة مهما كان حجمها أو دورها.
وفي النهاية، فإن معركة الفلسطينيين اليوم ليست فقط معركة وقف حرب الإبادة، بل معركة الحفاظ على الشعب، واستعادة الوحدة، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس جديدة، قادرة على مواجهة التحديات الوطنية والإنسانية، دون التفريط بالحقوق التاريخية والثوابت الوطنية، ودون الارتهان لمعادلات فرضتها القوة وحدها. فالتاريخ لا يُصنع بالشعارات وحدها، ولا بالاستسلام للواقع، وإنما بالقدرة على الجمع بين وضوح الهدف، ومرونة الوسيلة، ووحدة الإرادة الوطنية.