جاري التحميل...

الضَّبْعِيَّةُ السِّياسِيَّةُ في الوطن العربي: حين تتحوّل السُّلطةُ إلى افتراسٍ مُنظَّمٍ للفقراء:

إذا استعملنا «الضَّبْعِيَّة» هنا بوصفها مفهوماً مجازياً ونقدياً، فإنها تحيل إلى نمطٍ من السلطة لا يكتفي بالاستبداد السياسي، بل يتغذّى على إضعاف المجتمع، وإنتاج الخوف، وإبقاء الفئات الشعبية في حالة من العجز والحاجة والتبعية. إنها سلطةٌ تتعامل مع الدولة لا باعتبارها عقداً اجتماعياً بين مواطنين أحرار، بل باعتبارها غنيمةً تُحتكر مواردها، وتُوزَّع امتيازاتها وفق القرب من مركز القوة، بينما يُترك الفقراء عند الأطراف، يدفعون كلفة النظام من أعمارهم وكرامتهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
والضَّبْعِيّة، بهذا المعنى، ليست مجرد استبدادٍ فرديٍّ أو نزوة حاكم، وإنما بنية سياسية واجتماعية واقتصادية تتكامل فيها أدوات القهر، بحيث يصبح الاستبداد نظاماً لإدارة المجتمع، لا مجرد ممارسة عابرة للسلطة. إنها تبدأ حين تفقد الدولة وظيفتها بوصفها فضاءً عاماً مشتركاً، وتتحول إلى جهازٍ لحماية مصالح فئة ضيقة، وحين يصبح القانون أداةً للضبط أكثر منه ضمانةً للعدالة، وحين يُطلب من المواطن أن يكون مطيعاً قبل أن يكون مواطناً.

_ من الدولة بوصفها عقداً إلى السلطة بوصفها غنيمة:

في التصور السياسي الحديث، تقوم الدولة على فكرة أساسية: أن السلطة ليست ملكاً للحاكم، وأن مؤسسات الدولة ليست ملكاً لجماعة أو حزب أو عائلة أو طائفة، بل هي ملكٌ عام، وأن المواطن ليس تابعاً للسلطة، بل شريكٌ في المجال السياسي.
لكن حين تنحرف الدولة عن هذه الوظيفة، تنشأ علاقةٌ مقلوبة بين السلطة والمجتمع؛ فبدلاً من أن تكون السلطة خادمةً للصالح العام، يصبح المجتمع في خدمة السلطة، وبدلاً من أن يكون القانون وسيلةً لحماية الإنسان، يصبح الإنسان مطالباً بالامتثال للقانون الذي تضعه السلطة دون أن يمتلك حق المشاركة في صياغته أو مراقبة تطبيقه.
وهنا تبدأ الضَّبْعِيّة السياسية في الظهور بوصفها منطقاً للافتراس المؤسسي: تُستنزف الموارد العامة، وتتضخم الامتيازات، وتُضعف الرقابة، وتُغلق مساحات المشاركة، بينما يُطلب من المواطن أن يتحمل نتائج الفشل الاقتصادي والاجتماعي بوصفه قدراً لا يمكن تغييره.

_الفقر ليس دائماً نتيجةً اقتصادية؛ قد يكون نتيجةً سياسية:

من أخطر الأوهام أن يُنظر إلى الفقر باعتباره مجرد نتيجةٍ طبيعية لضعف الاقتصاد أو ندرة الموارد. فالفقر قد يكون، في بعض السياقات، نتيجةً مباشرةً لطريقة توزيع القوة والثروة.
حين تتركز الثروة في يد قلة، وحين تُربط فرص العمل بالولاء، وحين تصبح الوظيفة العامة امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء، وحين تضعف مؤسسات العدالة والمساءلة، فإن الفقر يتحول من مشكلة اقتصادية إلى بنية اجتماعية منتجة للتبعية.

فالإنسان الفقير الذي لا يملك عملاً مستقراً، ولا ضماناً اجتماعياً، ولا تعليماً جيداً، ولا قدرةً على الوصول إلى العدالة، يصبح أكثر عرضةً للابتزاز السياسي. وهنا لا يعود الفقر مجرد نقصٍ في المال، بل يتحول إلى نقصٍ في القدرة على الفعل.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم العلاقة بين الاستبداد والفقر: فكلما ازدادت هشاشة المواطن اقتصادياً، ازدادت قابليته للخضوع، وكلما ازدادت حاجته، أصبح أكثر اعتماداً على السلطة أو شبكات النفوذ المرتبطة بها.

إن أخطر ما تفعله السلطة الضَّبْعِيّة ليس أن تُفقِر الإنسان فحسب، بل أن تجعل فقره شرطاً لاستمرار سلطتها.

_ إنتاج الخوف وإدارة المجتمع:

الاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها؛ إنه يحتاج إلى إنتاج الخوف.
والخوف السياسي ليس مجرد خوف من السجن أو العقوبة، بل هو حالة نفسية واجتماعية يصبح فيها الإنسان مراقباً لنفسه قبل أن يراقبه الآخرون. يتردد في الكلام، ويحسب كلماته، ويتجنب النقد، ويخشى السؤال، ويعيد إنتاج الصمت داخل أسرته ومحيطه.
وحين ينتشر هذا الخوف، تتحول السلطة من جهاز خارجي إلى رقابة داخلية تسكن وعي الفرد.
وهنا تبلغ الضَّبْعِيّة أقصى درجاتها؛ لأن السلطة لم تعد بحاجة إلى مراقبة الجميع بصورة مباشرة، إذ يصبح المجتمع نفسه شريكاً في مراقبة أفراده، ويتحول الصمت إلى وسيلة للبقاء، ويصبح الخوف لغةً يوميةً غير مكتوبة.
وفي مثل هذه البيئة، لا يحتاج الاستبداد إلى إقناع الناس دائماً؛ يكفيه أن يجعلهم يخشون نتائج عدم الإقناع.

_الفقير بوصفه رقماً في خطاب السلطة:

تتجلى الضَّبْعِيّة السياسية أيضاً في الطريقة التي تنظر بها بعض السلطات إلى الفقراء.
فبدلاً من أن يُنظر إلى الفقير بوصفه مواطناً كامل الحقوق، قد يتحول في الخطاب السياسي إلى رقمٍ انتخابي، أو جمهورٍ يُستدعى عند الحاجة، أو كتلةٍ بشرية تُستعمل لتجميل صورة السلطة.
يُمنح أحياناً ما يكفي للبقاء، لا ما يكفي للعيش الكريم؛ وتُقدَّم المساعدات بوصفها منّة، لا باعتبارها حقاً اجتماعياً؛ وتُستخدم الحاجة أحياناً في صناعة الولاء، بحيث يصبح المواطن ممتناً لمنحه حقاً يفترض أن يكون مضموناً له أصلاً.
وهنا تتبدل العلاقة بين المواطن والدولة:
بدلاً من أن يقول المواطن: «هذا حقي»، يُدفع إلى القول: «شكراً لمن منحني حقي».
وهذه لحظة خطيرة في تاريخ المجتمعات؛ لأن تحويل الحقوق إلى مِنَح يقتل فكرة المواطنة من جذورها.

_الاستبداد وإعادة إنتاج الجهل:

لا تخشى السلطة المستبدة الفقر وحده، بل تخشى الوعي الذي يستطيع أن يفسر الفقر.
فالإنسان الجائع قد يبحث عن رغيف، أما الإنسان الواعي فيسأل: لماذا أنا جائع؟ ومن يملك الثروة؟ وكيف تُوزَّع الموارد؟ ومن يضع السياسات؟ ومن يحاسب المسؤول؟
وهنا يصبح التعليم الحر والتفكير النقدي والإعلام المستقل والثقافة الحقيقية عناصر تهدد البنية الاستبدادية؛ لأن المعرفة لا تمنح الإنسان المعلومات فحسب، بل تمنحه القدرة على مساءلة الواقع.
ولهذا فإن الأنظمة الضَّبْعِيّة، حين تستبد، لا تكتفي بالسيطرة على السياسة، بل تسعى إلى السيطرة على المعنى أيضاً: على ما يُقال، وما لا يُقال، وما يُدرَّس، وما يُحذف، وما يُسمح للناس أن يتخيلوه عن مستقبلهم.
إنها لا تريد فقط أن تحكم الجسد؛ بل تريد أن تحكم الخيال.

_الفساد بوصفه جهازاً لإدارة الولاء:

في البنية الاستبدادية، لا يكون الفساد دائماً خللاً عارضاً في النظام، بل قد يتحول إلى جزء من آلية عمله.
فالفساد يخلق طبقةً من المستفيدين، وهؤلاء المستفيدون يصبحون مرتبطين ببقاء النظام؛ لأن مصالحهم مرتبطة باستمراره. ومن ثم تتشكل شبكة معقدة من السلطة والمال والمصالح والولاءات.
وبهذا المعنى، يصبح الفساد أداةً سياسية؛ فهو لا يسرق المال العام فحسب، بل يسرق من المجتمع قدرته على بناء مؤسسات مستقلة.
إن المال الذي يضيع في الفساد ليس مجرد أرقام مهدرة؛ إنه مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهَّز، وطريق لم يُصلح، وفرصة عمل لم تُخلق، وبيت فقير لم يحصل على الحد الأدنى من الأمان.
ولهذا فإن الفساد، في جوهره، سرقةٌ مزدوجة: سرقة المال، وسرقة المستقبل.
_حين يصبح الشعب هو المتهم:

من أخطر آليات الاستبداد أن تُحمِّل السلطة الشعب مسؤولية النتائج التي صنعتها سياساتها.
فإذا انتشر الفقر، قيل إن الناس لا يعملون بما يكفي.
وإذا تراجع التعليم، قيل إن المجتمع لا يهتم بالعلم.
وإذا انهار الاقتصاد، قيل إن الأزمة عالمية.
وإذا طالب الناس بحقوقهم، وُصِفوا بأنهم مثيرو فتن.
وهكذا تنقلب المعادلة الأخلاقية: يصبح المواطن مسؤولاً عن فشل الدولة، بينما تُعفى السلطة من مسؤولية نتائج قراراتها.
إنها آلية قديمة في تاريخ الاستبداد: إعادة تعريف الضحية بوصفها مذنبة.
والنتيجة أن الفقير لا يعاني من الفقر وحده، بل يُحمَّل أيضاً مسؤولية فقره؛ والمواطن لا يعاني من غياب الحرية فحسب، بل يُتهم بأنه غير مستعد للحرية؛ والشعب لا يُحرم من المشاركة، بل يُقال له إن المشاركة ستؤدي إلى الفوضى.

وهكذا تتحول السلطة إلى منتجٍ للأزمة، ثم تقدم نفسها باعتبارها الحل الوحيد للأزمة التي صنعتها.
الطائفية والقبلية والانقسام: حين يُستبدل المواطن بالهوية الضيقة
من خصائص البنية الاستبدادية أنها تستفيد من الانقسامات الاجتماعية حين تعجز عن بناء شرعية قائمة على الإنجاز والعدالة.

فحين يتراجع مفهوم المواطنة، تتقدم الهويات الجزئية: الطائفة، والقبيلة، والمنطقة، والعائلة، والحزب.
وهنا يصبح المجتمع أكثر انقساماً، بينما تبدو السلطة أكثر قوة؛ لأن المواطن المنقسم على ذاته يصعب عليه أن يطالب بحقوقه بوصفه مواطناً.

إن الضَّبْعِيّة السياسية لا تخاف من اختلاف الناس، لكنها تخاف من اتفاقهم على مفهوم العدالة.
ولهذا فإن بناء دولة المواطنة ليس مجرد إصلاح قانوني، بل هو مقاومة عميقة لمنطق الاستبداد؛ لأن المواطنة تساوي بين الناس أمام القانون، بينما تقوم الضَّبْعِيّة على التمييز في الحقوق والفرص وفق القرب من مركز القوة.

_المقاومة تبدأ من استعادة الإنسان لكرامته:

لكن المجتمعات ليست قدراً محكوماً بالاستبداد.
فالتاريخ يثبت أن الإنسان يستطيع أن يستعيد صوته حين يستعيد وعيه بذاته، وأن المجتمعات تبدأ في الخروج من الاستبداد حين تدرك أن الخوف ليس قانوناً طبيعياً، وأن الفقر ليس قدراً أبدياً، وأن السلطة ليست فوق المساءلة.
إن مقاومة الضَّبْعِيّة لا تعني بالضرورة العنف أو الفوضى؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير: تبدأ من استعادة معنى المواطن، واستقلال المعرفة، وحرية التفكير، وكرامة الإنسان، وسيادة القانون، وشفافية المؤسسات، وعدالة توزيع الموارد.

فالدولة العادلة ليست الدولة التي تمنح الفقير ما يبقيه على قيد الحياة، بل الدولة التي تمنحه ما يجعله قادراً على أن يعيش حراً، كريماً، مستقلاً، ومشاركاً في صناعة مستقبله.

_الضَّبْعِيّة حين تفترس الدولةُ المجتمع:

إن مفهوم الضَّبْعِيّة السياسية، بوصفه مفهوماً نقدياً مجازياً، يتيح لنا أن نفهم الاستبداد لا باعتباره مجرد قسوة في الحكم، بل باعتباره منظومةً متكاملةً من إنتاج الخوف، وإدارة الفقر، واحتكار الثروة، وإضعاف المواطنة، وتسييس الحاجة، وتفكيك المجتمع، وإعادة إنتاج التبعية.
وفي جوهر هذه المنظومة يقف الإنسان الفقير في مواجهة سلطةٍ تمتلك القوة، بينما لا يملك هو سوى حاجته؛ فتتحول الحاجة إلى وسيلة للسيطرة، ويصبح الفقر أداةً لإدامة الطاعة.
لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن السلطة التي تبني بقاءها على الخوف لا تستطيع أن تصنع شرعيةً حقيقية، وأن الدولة التي تُهين مواطنيها تفقد، بمرور الزمن، معناها الأخلاقي، وأن المجتمع الذي يُحرم من حقه في المشاركة قد يصمت طويلاً، لكنه لا يتوقف عن البحث عن معنى الحرية.
إن المعركة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست بين حاكم ومحكوم فحسب؛ إنها معركة بين منطق الضَّبْعِيّة الذي يرى الإنسان فريسةً للسلطة، ومنطق المواطنة الذي يرى الإنسان غايةً للدولة.
وبين المنطقين يتحدد مستقبل الوطن:
إما دولةٌ تُدير مواطنيها بالخوف والحاجة،
وإما دولةٌ تُدير شؤونها بالعدالة والقانون.
فالسلطة التي تقتات من ضعف شعبها قد تبقى قويةً زمناً، لكنها تظل فقيرةً في الشرعية؛ أما الدولة التي تجعل كرامة الإنسان أساساً لوجودها، فإنها لا تحتاج إلى افتراس مواطنيها كي تستمر.