جاري التحميل...

خريف الصهيونية… وبحث العالم عن فكرة جديدة للسلام

قراءة فلسفية في زمن ما بعد نتنياهو وترامب

 

لكل فكرة تاريخ. تولد، تنمو، تبلغ ذروة حضورها، ثم تبدأ بالتآكل عندما تعجز عن تفسير الواقع أو عن إنتاج مستقبل جديد. وهذه ليست سنة السياسة فحسب، بل سنة التاريخ ذاته.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الصهيونية اليمينية المتطرفة بوصفها فكرة بلغت ذروة قدرتها على الفعل، ثم أخذت تدخل تدريجيًا مرحلة الشيخوخة التاريخية. فقد راهنت على القوة العسكرية المطلقة، وعلى التوسع، وعلى إخضاع الشعب الفلسطيني، وعلى فرض الوقائع بالقوة، لكنها، رغم ما امتلكته من تفوق عسكري ودعم دولي، لم تستطع أن تنتج سلامًا، ولا أمنًا دائمًا، ولا قبولًا أخلاقيًا في الوعي الإنساني.
إن المشروع الذي يعجز عن تحويل انتصاراته العسكرية إلى استقرار سياسي، يبدأ في فقدان شرعيته التاريخية، لأن القوة تستطيع أن تحتل الأرض، لكنها لا تستطيع أن تحتل الذاكرة أو الهوية أو إرادة البقاء.
لقد شكّل بنيامين نتنياهو، ومعه دونالد ترامب، التعبير الأكثر اكتمالًا عن هذه المرحلة؛ مرحلة الاعتقاد بأن ميزان القوة وحده قادر على صناعة التاريخ. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت حدود هذه الرؤية، وأثبتت أن القوة، عندما تنفصل عن العدالة، تتحول إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم.
ولعل السؤال الذي بدأت تطرحه دوائر سياسية وفكرية عديدة هو: ماذا بعد؟
ليس المقصود هنا ماذا بعد نتنياهو كشخص، ولا ماذا بعد ترامب كزعيم، بل ماذا بعد الفكرة التي يمثلانها؟
قد يكون العالم، ومعه قطاعات مؤثرة داخل المجتمع الإسرائيلي واليهودي، أمام لحظة مراجعة كبرى، لحظة الانتقال من فلسفة الهيمنة إلى فلسفة الشراكة، ومن إدارة الصراع إلى حله، ومن أمن يقوم على الخوف إلى أمن يقوم على الاعتراف المتبادل.
إن السلام الحقيقي لا يولد من استسلام طرف لآخر، بل من اعتراف كل طرف بإنسانية الآخر وحقوقه الوطنية. ولهذا فإن أي مشروع جديد لن يكتب له النجاح إذا تجاوز الحقيقة المركزية: أن الشعب الفلسطيني ليس مشكلة أمنية، بل شعب له قضية وطنية وحق في تقرير مصيره.
وفي المقابل، فإن الفلسطينيين أيضًا أمام مسؤولية تاريخية؛ مسؤولية إنتاج قيادة موحدة، ومشروع وطني جامع، قادر على تحويل التضحيات إلى رؤية سياسية قابلة للحياة.
وفي هذا الإطار، يبرز اسم مروان البرغوثي في نظر كثير من الفلسطينيين باعتباره أحد الرموز التي قد تسهم في مرحلة سياسية جديدة، لما يمثله من حضور وطني ورمزية نضالية. غير أن نجاح أي تحول لن يكون رهين شخص بعينه، بل بقدرة الفلسطينيين على بناء مؤسسات وطنية موحدة، وصياغة رؤية تستجيب لتحديات العصر.
إن المستقبل لا يصنعه السلاح وحده، ولا الشعارات وحدها، وإنما تصنعه الأفكار التي تستطيع أن تفتح أفقًا جديدًا للتاريخ.
وربما يكون السؤال الذي سيحكم العقود المقبلة ليس: من انتصر في الحرب؟ بل: من امتلك الشجاعة الكافية لينتصر للسلام؟
فالأفكار، كما يعلمنا التاريخ، لا تموت عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تعجز عن إقناع المستقبل. وإذا كانت الصهيونية اليمينية المتطرفة قد وصلت إلى حدودها التاريخية، فإن التحدي الحقيقي يكمن في ولادة فكرة جديدة، يكون أساسها العدالة، والاعتراف المتبادل، وإنهاء الاحتلال، وإقامة سلام عادل يضمن الأمن والكرامة للشعبين.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2