جاري التحميل...

الرفيق عمران الخطيب.. البوصلة التي لا تنحرف

في زمنٍ بات الاصطفاف فيه أسرع من قراءة النصوص، تأتي كتابات الرفيق عمران الخطيب لتفرض على القارئ التمهل، بعيداً عن أحكام المزايدات. فالرجل لا يكتب من موقع الحياد البارد، ولا من خندق الخصومة مع أي طرف إقليمي، بل ينطلق من وجدان فلسطيني يرى في الاحتلال الإسرائيلي أصل المأساة، وفي فلسطين القضية المركزية التي لا تزول.

قد يظن البعض أن رفض الرفيق الخطيب للاعتداء على سيادة الأردن يمثل انحيازاً لمحور على حساب آخر، لكن القراءة المتأنية لسطور مقاله تكشف العكس تماماً. فهو يُدين العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ويؤكد رفضه لأي حرب توسع رقعة الصراع، لكنه في اللحظة ذاتها ينتقل إلى تأكيد مبدأ لا يقل أهمية: أن سيادة الدول العربية ليست ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية أو تصفية الحسابات.

وهنا تكمن عبقرية الموقف؛ فالرفيق الخطيب لا يهاجم إيران لأنها ترفع شعار تحرير فلسطين، بل يخاطبها بلغة الصديق الناصح الذي يقول: إن معركة من يتبنى فلسطين يجب أن تبقى موجهة نحو الاحتلال، لا نحو العواصم العربية التي لم تحتل الأرض ولم تصادر الحقوق.

والإنصاف يقتضي الاعتراف أن الرفيق عمران، بحكم هويته الفلسطينية، لا يحتاج إلى شهادة في عدائه لإسرائيل. كل حرف في مقاله يؤكد أن الاحتلال هو الخطر الأكبر. لكنه يطرح سؤالاً مصيرياً: كيف يمكن لمواجهة تمس الأردن أو أي دولة عربية أن تخدم فلسطين؟ أليس توسيع ساحات الصراع تشتيتاً للجهد الذي ينبغي أن يبقى موجهاً نحو إنهاء الاحتلال؟

ويُحسب للرفيق الخطيب أنه أعاد التذكير بالدور الأردني في الدفاع عن القدس، والوصاية الهاشمية على المقدسات، والمواقف الإنسانية والسياسية التي لا يمكن تجاهلها عند قراءة المشهد. هذه ليست مناقصة وطنية، بل إنصاف يحفظ الجميل ولا يلغيه الاختلاف في التفاصيل.

رسالة الرفيق عمران الخطيب واضحة كالشمس: إذا كانت إسرائيل هي الخصم المحتل، وإذا كانت إيران تتحمل مسؤولية التصعيد، فإن منطق الصراع يقتضي أن تبقى المواجهة موجهة نحو الاحتلال، لا أن تمتد إلى دول عربية ذات سيادة. لأن ذلك لا يخدم فلسطين، بل يمنح الاحتلال فرصة ذهبية للاستفادة من انقسامنا.

قد يتفق البعض مع هذه الرؤية أو يختلفون، لكن لا يمكن إنكار أنها تنطلق من موقف قومي عربي أصيل، ووجدان فلسطيني يدرك أن تحرير فلسطين لا يتحقق بإضعاف العرب، بل بتعزيز وحدتهم واحترام سيادتهم، وإبقاء البوصلة ثابتة نحو القضية التي كانت وستبقى قضية الأمة الأولى.

وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبقى السؤال الأهم الذي يضعه الرفيق الخطيب أمامنا: هل تستطيع القوى الإقليمية أن تميز بين ساحة المواجهة الحقيقية وساحات الاستنزاف؟ وهل آن الأوان لإعادة توجيه البوصلة نحو أصل الصراع في فلسطين، بدلاً من توسيع دائرة الاشتباك داخل الجغرافيا العربية؟ أسئلة تبقى مفتوحة، لأن الإجابة عنها ستحدد مستقبل المنطقة ومستقبل القضية التي لن تموت.