جاري التحميل...

الواقعية السياسية إلى أين؟

من فلسفة القوة إلى فلسفة الإنسان: نحو جيوبوليتيك جديد وموقع القضية الفلسطينية

 

لقد قامت الواقعية السياسية، منذ بداياتها مع أفكار ثوسيديدس، ثم مع نيقولا مكيافيلي، وبلغت ذروتها الحديثة مع هانس مورغنثاو، على فرضية مركزية مفادها أن القوة هي الحقيقة الوحيدة في العلاقات الدولية، وأن الدولة لا تحكمها الأخلاق، بل تحكمها المصلحة وتوازنات القوة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت الواقعية السياسية قادرة على تفسير العالم؟ أم أنها أصبحت فلسفة تنتمي إلى مرحلة تاريخية تتراجع أمام ميلاد عالم جديد؟
إن القرن الحادي والعشرين يكشف بصورة متزايدة حدود هذا النموذج. فالحروب الممتدة، والأزمات الاقتصادية العالمية، والثورات التكنولوجية، وصعود قوى حضارية جديدة، كلها تشير إلى أن منطق القوة المجردة لم يعد كافياً لإدارة العالم.
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر عمقاً:
كيف ترى نفسك والعالم خارج المنظور البراغماتي الغربي؟
إن الإجابة تقودنا إلى العودة نحو الحضارات الكبرى قبل الحداثة، وفي مقدمتها الحضارتان الصينية والهندية، إضافة إلى الحضارة المصرية القديمة، التي لم تنظر إلى القوة باعتبارها غاية مستقلة، بل وسيلة لحماية النظام الأخلاقي والإنساني.
في الفكر الصيني، لم تكن الدولة مجرد مؤسسة للسيطرة، وإنما فضاء لتحقيق الانسجام بين الإنسان والطبيعة والمجتمع. وفي الفكر الهندي ارتبطت السياسة بالأخلاق والواجب والعدالة الكونية، بينما قامت الحضارة الفرعونية على فكرة “الماعت”، أي العدل والحق والتوازن بوصفها أساس الحكم.
أما الحداثة الغربية فقد أحدثت قطيعة معرفية مع هذا التراث، إذ فصلت القوة عن الأخلاق، وحولت الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن قيمة إلى رقم داخل منظومات الإنتاج والاستهلاك، ومن ذات حرة إلى سلعة يمكن توظيفها في مشاريع الهيمنة.
ومن هنا أصبحت الواقعية السياسية فلسفة للقوة المجردة، بينما تراجع الإنسان إلى الهامش.
إن العالم يشهد اليوم انتقالاً تدريجياً نحو جيوبوليتيك جديد، لا يقوم فقط على موازين القوة العسكرية، بل على الاقتصاد والمعرفة والثقافة والهوية والتكامل الحضاري. وفي هذا التحول، يبدو أن الفكرين الصيني والهندي يقدمان رؤية مختلفة للعلاقات الدولية، رؤية تمنح الإنسان مكانته المركزية، وتسعى إلى تحقيق التوازن بدلاً من الهيمنة.
ولا يعني ذلك أن سياسات الدول الآسيوية تخلو من حسابات المصالح؛ فكل دولة تعمل وفق مصالحها الوطنية، لكن المرجعيات الفلسفية التي تستند إليها تختلف في جوانب مهمة عن المرجعية الواقعية الغربية التقليدية، وهو ما يفتح مجالاً لقراءة جديدة للنظام الدولي.
وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها إحدى أهم القضايا التي تختبر مستقبل هذا الجيوبوليتيك الجديد. فإذا كان العالم يتجه فعلاً نحو نظام أكثر تعددية وأكثر اعترافاً بتنوع الحضارات، فإن فلسطين لن تبقى مجرد ملف أمني أو نزاع حدودي، بل ستعود باعتبارها قضية حرية وعدالة وكرامة إنسانية.
لقد ارتبطت الرؤية الغربية، في بعض تياراتها السياسية والدينية، بقراءات لاهوتية وسياسية منحت المشروع الصهيوني دعماً واسعاً، وأسهمت في ترسيخ مقاربة للقضية الفلسطينية تنطلق من اعتبارات استراتيجية ودينية لدى بعض الفاعلين. وفي المقابل، فإن صعود قوى آسيوية كبرى قد يوسع مساحة المقاربات التي تركز على القانون الدولي، والسيادة، ورفض الهيمنة، وهو ما قد يفتح فرصاً مختلفة للتعامل مع القضية الفلسطينية، وإن كان ذلك سيظل محكوماً أيضاً بمصالح تلك الدول وحساباتها الاستراتيجية.
خاتمة
لقد أنجزت الواقعية السياسية دورها التاريخي، لكنها تبدو اليوم عاجزة عن إنتاج أفق إنساني جديد، لأنها جعلت القوة غاية في ذاتها. أما العالم الصاعد، فإنه يحتاج إلى فلسفة جديدة تعيد الاعتبار للإنسان، وتوازن بين المصالح والقيم، وبين الدولة والعدالة، وبين القوة والأخلاق.
وربما يكون القرن الحادي والعشرون بداية الانتقال من جيوبوليتيك القوة إلى جيوبوليتيك الإنسان؛ انتقال لا يلغي المصالح، لكنه يضعها في إطار حضاري وأخلاقي أوسع، ويمنح قضايا العدالة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، موقعاً أكثر رسوخاً في تشكيل النظام الدولي القادم.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2