“إلى روح أستاذي ومعلمي الدكتور عبد الرحمن بوقاف… وفاءً لعلمه، واعترافاً بفضله، وامتناناً لرسالته الفلسفية الخالدة.” فهذا يمنح المقال بعداً إنسانياً وأدبياً يليق بمقام أستاذك الراحل.
صالح
لا يدّعي هذا المقال الإحاطة الكاملة بالمشروع الفكري والفلسفي للأستاذ الدكتور عبد الرحمن بوقاف، وإنما يأتي مساهمةً متواضعة تستكمل ما كتبه أستاذاي الجليلان الدكتور محمد نور الدين جباب والدكتور عبد القادر هزرشي، أستاذا الفلسفة بجامعة الجزائر 2، اللذان قدّما قراءات علمية رصينة في تجربة هذا المفكر الجزائري الكبير، وأسسا لفهم عميق لمكانته في مسار الفلسفة الجزائرية المعاصرة.
يُعد الدكتور عبد الرحمن بوقاف واحداً من أبرز أعلام الفكر الفلسفي الجزائري المعاصر، فقد استطاع أن يؤسس مشروعاً فكرياً اتسم بالرصانة العلمية، والعمق المنهجي، والقدرة على الجمع بين الوفاء للتراث العربي الإسلامي والانفتاح النقدي على الفكر الفلسفي الغربي. لقد آمن بأن النهضة الحقيقية لا تتحقق بقطيعة مع الماضي، ولا باستنساخ الحداثة الغربية، وإنما بحوار خلاق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية والتجديد، وبين الذاكرة التاريخية وآفاق المستقبل.
لقد نظر إلى التراث بوصفه بنية معرفية حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل، وليس مجرد ماضٍ يُستعاد. لذلك دعا إلى تحرير العقل العربي من الجمود، وإعادة تفعيل عناصر الإبداع الكامنة في التراث الإسلامي، وربطها بأسئلة العصر. وفي هذا السياق، استأنس بأفكار المفكر العربي الكبير حسن حنفي حول تجديد التراث الإسلامي، وإعادة بنائه على أسس عقلانية نقدية، لكنه ظل محتفظاً بخصوصية مشروعه المنبثق من الواقع الجزائري والعربي.
وترك الدكتور عبد الرحمن بوقاف إرثاً فلسفياً غنياً من خلال كتبه ودراساته ومقالاته العلمية التي أصبحت مراجع مهمة للباحثين في الفلسفة والفكر العربي المعاصر. ومن أبرز مؤلفاته كتاب “نقد الخطاب الفلسفي في الجزائر” الذي يُعد من أهم الدراسات النقدية التي تناولت تطور الخطاب الفلسفي الجزائري، حيث مارس فيه نقداً علمياً للخطابات الفلسفية السائدة، داعياً إلى تأسيس خطاب فلسفي جزائري يمتلك استقلاله المنهجي، ويستند إلى خصوصية المجتمع الجزائري دون أن ينغلق عن الفكر الإنساني.
كما أولى اهتماماً بالغاً بالفلسفة الألمانية، ولا سيما فلسفة هيغل، فدرس مشروعه الفلسفي دراسة عميقة، واهتم بتطور التراث الهيغلي في الولايات المتحدة الأمريكية، واطلع على المدارس التي أعادت قراءة هيغل في الفكر الغربي المعاصر. ومن خلال هذا الجهد قدم مشروعاً علمياً متميزاً لفهم الديالكتيك الهيغلي ومنهجه في التفكير، مبيناً أن الجدل ليس مجرد نظرية فلسفية، بل هو منهج لفهم حركة التاريخ، وتحولات المجتمع، وتطور الوعي الإنساني.
لقد كان الدكتور عبد الرحمن بوقاف يؤمن بأن الفلسفة رسالة حضارية وأخلاقية، وليست ترفاً فكرياً، ولذلك جاءت كتاباته مرتبطة بقضايا المجتمع، وساعية إلى بناء عقل نقدي قادر على إنتاج المعرفة، بعيداً عن النقل والتقليد، وقريباً من هموم الإنسان الجزائري والعربي.
ولعل من دواعي الاعتزاز الشخصي أنني كنت أحد تلامذة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بوقاف، وتشرفت بالدراسة على يديه في قسم الفلسفة بجامعة الجزائر 2، حيث كان له الأثر العميق في تكويني العلمي والفلسفي. وتحت إشرافه الأكاديمي ونهجه المنهجي الرصين حصلت على درجة الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة، فكان بالنسبة إليّ أستاذاً ومعلماً ومرشداً قبل أن يكون مفكراً كبيراً. لقد تعلمنا منه أن الفلسفة ليست حفظاً للنظريات، وإنما هي منهج في التفكير، وأخلاق في البحث، وشجاعة في مساءلة المسلمات، ولذلك فإن هذا المقال لا يمثل مجرد قراءة في مشروعه الفكري، بل هو أيضاً شهادة وفاء وامتنان لأستاذ ترك أثراً عميقاً في نفوس تلامذته، وفي مسيرة الفلسفة الجزائرية المعاصرة.
لقد استطاع الدكتور عبد الرحمن بوقاف أن يرسخ مكانته بوصفه أحد أهم رواد الفلسفة في الجزائر، وأن يفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقاً واسعة للتفكير النقدي، جامعاً بين أصالة التراث وروح الحداثة، وبين العمق الأكاديمي والالتزام بقضايا المجتمع.
رحم الله الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بوقاف، فقد ترك للأجيال إرثاً فلسفياً سيظل حياً في مؤلفاته، وفي طلابه، وفي كل باحث يؤمن بأن الفلسفة فعل بناء للإنسان والمجتمع، وأن المعرفة الحقيقية هي التي تجمع بين الأصالة والإبداع، وبين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2