في الحياة السياسية، لا يوجد تنظيم ولا قائد ولا مسؤول يجب أن يكون فوق النقد. فالحركات الوطنية التي تعجز عن سماع أصوات أبنائها، وتتعامل مع كل رأي مخالف باعتباره خروجًا أو تمردًا، تكون قد بدأت تفقد قدرتها على المراجعة والتجدد.
المشكلة ليست في أن يختلف مسؤول أو قيادي مع المسار القائم، وإنما في ثقافة تحاول تحويل أي رأي نقدي إلى معركة شخصية، فتُناقش النوايا وتُهمل الأفكار، ويصبح السؤال: من قال؟ بدلًا من السؤال الأهم: هل ما قيل صحيح؟
لقد أثارت تصريحات الأخ أبو رامي الرجوب جدلًا واسعًا، وانصرف كثيرون إلى تفسير دوافعها وربطها بنتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح، وكأن قيمة الأفكار تُقاس بالموقع التنظيمي لصاحبها أو بحجم نفوذه داخل الحركة. لكن السياسة الرشيدة لا تُدار بهذه الطريقة، لأن الدول والحركات لا تُبنى على قراءة النوايا، بل على مناقشة البرامج والرؤى.
فالدعوة إلى إعادة الاعتبار للنظام البرلماني، وإجراء الانتخابات الرئاسية قبل التشريعية، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بما يعزز دورها التمثيلي، والحد من التوسع في إصدار المراسيم الرئاسية، ليست شعارات عابرة، بل قضايا تمس جوهر النظام السياسي الفلسطيني، وتستحق نقاشًا وطنيًا عميقًا ومسؤولًا.
إن الأزمة الفلسطينية اليوم ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة مؤسسات، وليست أزمة أسماء بقدر ما هي أزمة آليات حكم ومساءلة وشراكة. وكل من يطرح رؤية لمعالجة هذا الخلل يجب أن يُستمع إليه، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، لأن الوطن أكبر من الأشخاص، والقضية أكبر من التنظيمات، ومستقبل الشعب الفلسطيني لا يجوز أن يبقى رهينة لحسابات النفوذ أو الاصطفافات الداخلية.
إن التخوين، والشيطنة، والتشكيك في النوايا، أدوات تعكس ضعف الحجة، ولا تُنتج إصلاحًا ولا تبني وحدة وطنية. أما الحوار المسؤول، واحترام الرأي الآخر، ومناقشة الأفكار بعقلانية، فهي الطريق الوحيد لاستعادة ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته الوطنية.
إن قوة حركة فتح، وقوة منظمة التحرير الفلسطينية، وقوة النظام السياسي الفلسطيني، لا تُقاس بمدى إسكات الأصوات المختلفة، وإنما بقدرتها على استيعاب النقد، وتحويله إلى فرصة للمراجعة والتصويب. فالتاريخ يعلمنا أن الحركات التي تُغلق أبواب الحوار تُضعف نفسها بنفسها، بينما الحركات التي تجعل من النقد وسيلة للإصلاح هي وحدها القادرة على الاستمرار وقيادة شعوبها.
اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى نقاش وطني صادق، بعيدًا عن الشخصنة والانفعال، يضع مصلحة فلسطين فوق كل اعتبار، ويعيد الاعتبار للمؤسسات، وللانتخابات، وللشراكة الوطنية، ولحق كل فلسطيني في أن يقول رأيه دون أن يُتهم أو يُخوَّن.
لأن الأوطان لا يحميها الصمت… بل يحميها الحوار، ولا يبنيها التصفيق… بل تبنيها الشجاعة في قول الحقيقة