مناضل فتحاوي
واكاديمي فلسطيني
تشهد حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ انطلاقتها، في ظل اقتراب مرحلة الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، وتصاعد التنافس بين مراكز القوى داخل الحركة حول شكل القيادة المقبلة وطبيعة المشروع السياسي الفلسطيني. وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم جبريل الرجوب بوصفه أحد أبرز القيادات الفتحاوية وأكثرها حضوراً وتأثيراً، الأمر الذي يثير تساؤلات سياسية مشروعة حول طبيعة تحركاته، وأهدافها، وحدودها.
إن السؤال الحقيقي لا يتمثل في وجود اختلافات بين الرجوب والرئيس أبو مازن، فالاختلاف داخل الحركات الوطنية أمر طبيعي، وإنما يكمن في معرفة ما إذا كانت هذه التحركات تعكس مجرد تنافس تنظيمي مشروع، أم أنها قد تتطور إلى حالة تعيد إلى الأذهان تجربة العقيدين ابو خالد العملة والعقيد سعيد مراغة (أبو موسى) وما رافقها من انشقاق هزّ حركة فتح وأضعف المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة بالغة الخطورة.
لقد كان جبريل الرجوب، تاريخياً، من أكثر المدافعين عن الرئيس محمود عباس، وارتبط اسمه لسنوات طويلة بخيارات القيادة الرسمية للحركة والسلطة الفلسطينية، إلا أن نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح وما أفرزته من إعادة توزيع لموازين القوى داخل الأطر القيادية، فتحت الباب أمام مرحلة سياسية جديدة دفعت مختلف القيادات إلى إعادة ترتيب حساباتها، والسعي إلى تثبيت مواقعها في معادلة ما بعد أبو مازن.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح الرجوب الأخير، الذي أكد فيه أنه “لن ينقلب على الرئيس محمود عباس”، أهمية خاصة. فمن الناحية السياسية، يمكن فهم هذا التصريح باعتباره رسالة طمأنة إلى قواعد الحركة وإلى المؤسسات الرسمية، لكنه في الوقت نفسه يعكس إدراكاً لوجود حديث واسع داخل الأوساط الفتحاوية عن صراع النفوذ ومستقبل القيادة.
ومن الناحية التاريخية، لا يمكن تجاهل أن محافظة الخليل كانت إحدى أهم ساحات الصراع التنظيمي داخل حركة فتح منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت الخلافات بين مراكز القوى في الخليل ونابلس ورام الله، وبرزت معسكرات حموريه ودوما وبيت نايم ومديره باعتبارها إحدى المحطات التي كشفت مبكراً حجم التباينات داخل البنية التنظيمية للحركة. ومنذ ذلك الحين، بقيت الخليل رقماً صعباً في أي معادلة داخل فتح، بما تمتلكه من ثقل تنظيمي وعائلي وسياسي.
ويستند الرجوب إلى قاعدة تنظيمية واسعة، وإلى خبرة طويلة في العمل الأمني والسياسي، وهو ما يمنحه حضوراً مؤثراً في أي ترتيبات مستقبلية. كما أن هناك مراكز قوى داخل الحركة ترى ضرورة تجديد القيادة وإعادة بناء المؤسسات، بينما تتمسك مراكز أخرى باستمرار النهج الحالي حفاظاً على وحدة الحركة واستقرارها، الأمر الذي يجعل الصراع أقرب إلى منافسة على النفوذ منه إلى انقسام تنظيمي معلن.
أما فيما يتعلق بالعامل الخارجي، فقد كثرت التحليلات التي تربط الرجوب بعلاقات مع عدد من العواصم العربية، ومن بينها دولة قطر. غير أن ما هو متاح في المجال العام لا يقدم دليلاً موثقاً على وجود مشروع قطري أو أي مشروع إقليمي يهدف إلى إحداث انقلاب داخل حركة فتح أو إزاحة الرئيس محمود عباس عبر جبريل الرجوب. فالعلاقات السياسية التي يقيمها قادة الفصائل الفلسطينية مع الدول العربية تدخل في إطار الدبلوماسية والاتصالات السياسية، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود مشروع لتغيير القيادة.
ومن زاوية أخرى، يكتسب موقف حركة حماس وقطاع غزة أهمية خاصة في قراءة المشهد. فمنذ سنوات شارك الرجوب في عدد من جولات الحوار والمصالحة مع قيادة حماس، الأمر الذي جعله أحد أكثر قيادات فتح انخراطاً في محاولات إنهاء الانقسام الفلسطيني. إلا أن ذلك لا يعني وجود دعم معلن من حماس لمشروع يقوده الرجوب داخل حركة فتح. فالحركة تبدو أكثر اهتماماً بطبيعة البرنامج السياسي للقيادة الفلسطينية المقبلة، وبكيفية إدارة العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، من اهتمامها بدعم شخصية بعينها.
أما في قطاع غزة، فتتباين النظرة إلى الرجوب؛ فهناك من يرى فيه شخصية تمتلك قدرة على الحوار والتواصل، فيما يتذكر آخرون تجربته الأمنية السابقة في الضفة الغربية، ولذلك يسود الحذر والترقب أكثر من التأييد أو الرفض المطلق. ويمكن القول إن حماس تتابع ما يجري داخل حركة فتح باعتباره شأناً مؤثراً في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، لكنها لم تعلن موقفاً رسمياً يؤيد أي طرف في هذا التنافس الداخلي.
وفي ضوء كل ذلك، فإن المقارنة بين تجربة جبريل الرجوب وتجربة أبو موسى تبقى، حتى الآن، مقارنة سياسية وتحليلية أكثر منها مقارنة واقعية؛ إذ إن أبو موسى أعلن انشقاقاً تنظيمياً وعسكرياً واضحاً، بينما لا توجد حتى الآن معطيات موثقة تشير إلى أن الرجوب يتبنى مشروعاً مماثلاً. غير أن استمرار الاستقطاب الداخلي، واحتدام المنافسة على مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس، قد يفتح الباب أمام تحولات عميقة داخل الحركة إذا لم تُدار الخلافات من خلال المؤسسات التنظيمية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه حركة فتح اليوم لا يتمثل في اختيار اسم القائد القادم، بل في قدرتها على المحافظة على وحدتها الداخلية، وتجديد شرعيتها التنظيمية، ومنع تكرار تجارب الانشقاق التي دفعت الحركة ثمناً باهظاً بسببها. فاستقرار حركة فتح لا يخص أبناءها وحدهم، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني كله، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.