يُنظر عادة إلى اليُتم كعلامة نقص وحرمان، وكمأساة وجودية تطبعُ حياة الطفل بآثار فادحة من الحزن والانكسار. لكنه من زاوية أخرى، قد يُمثّل أيضًا إمكانًا خفيًّا للانعتاق من البنى السلطوية الأولى، وعلى رأسها “سلطة الأب”، بما تحمله من رمزية نفسية واجتماعية وثقافية.
ففي أنثروبولوجيا السلطة، يُمثّل الأب – كما صوّره فرويد – النموذج الأول للمنع، وللقانون، وللناموس الذي يضع الحدود ويمنح الاعتراف. ومنه تتفرّع أشكال السلطة كلها: من الإله إلى الملك، ومن القائد إلى المُعلّم، ومن القانون إلى الأخلاق. لكن، ماذا لو فُقِد هذا الأب مبكرًا؟ ألا يُعفي ذلك الطفل من الاندراج الكلّي في لعبة الخضوع، ويمنحه إمكانية بدئية لصوغ ذاته بمعزل عن هذا السقف الرمزي؟
اليتيم في هذا المعنى لا يصبح مجرّد “فاقد”، بل مشروعًا مُحتملًا للحرية. فغياب الأب قد يُفسَّر لا فقط ككارثة شعورية، بل كشرط لتجذير الاستقلال المبكر، ونموّ إرادة غير مقيّدة بشروط التبعية البنيوية التي يُؤسسها الحضور الأبوي الصارم. إنه أشبه بمن لم يدخل لعبة السلطة من بابها الكامل، وبالتالي يبقى مرشّحًا لخلخلة تراتبياتها وفضح مسلّماتها.
لقد لمح نيتشه إلى شيء من هذا حين اعتبر أن على الإنسان أن “يقتل الأب الرمزي” – أي أن يتحرر من سلطة الإله/الأب – كي يبدأ مسيرته نحو الفردانية العليا و”الإنسان الأعلى”. أما لاكان، فقد أعاد قراءة هذه البنية في ضوء اللغة، معتبرًا أن الأب هو الذي يدخل الطفل في النظام الرمزي، فيقطع عليه اندماجه في “الواقعي” أو “الخيالي”، ويدخله عالم القانون والدلالة.
من هنا، يمكن أن نفهم مقولة “يكاد اليتيم يعجب بيتمه” لا بوصفها مجازًا شعريًّا عن الحزن، بل بوصفها اعترافًا باطنيًّا – حتى لو لم يُصرَّح به – بأن هذا الفقد قد شكّل نوعًا من التحرّر المُبكر من القيد، وبأن “الانكسار الأول” كان طريقًا لبناء “ذات ثانية”، لا تُعيد إنتاج الخضوع وإنما تكتشف المعنى بذاتها، وتصوغ قوانينها الخاصة.
لكن لا بد من التنويه هنا بأن هذه الإمكانية تظلّ رهينة السياق: فاليتيم قد يسقط فريسة للحرمان والعنف الرمزي من المجتمع، وقد يتحول من مشروع حرية إلى ضحية مستبدَلة لسلطات أخرى أشد قسوة. غير أن هذا لا ينفي وجود استثناءات لافتة، حيث يشكّل اليُتم شرطًا لتكوين عقل نقدي وروح متمرّدة، تتعلّم أن لا تعتمد على السلطة لتكتشف معناها، بل أن تخترعه.
في مجتمعاتنا، التي غالبًا ما تُقدّس الأب، وتربط الفقد بالعجز، لا تزال مثل هذه القراءة تجد صعوبة في الترسّخ. غير أن الفلسفة الاجتماعية مدعوة دائمًا لتفكيك التصوّرات الجاهزة، وفتح أفق تأويلي يُنصف حتى الغياب.
إن اليُتم، حين لا يُختزل إلى وجع، يمكن أن يتحوّل إلى محرّك للذات، إلى فرصة لإعادة بناء الإنسان خارج ما تمليه السلطات الرمزية. فاليتيم، في بعض وجوهه، ليس فقط من فقد أباه، بل من لم يُسلِّم نفسه إلى سلطةٍ تمنعه من أن يكون حُرًّا.