جاري التحميل...

لماذا بدأت تضعف الحصانة السياسية التي تمتعت بها إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية؟

بقلم: د. صالح الشقباوي

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كما كانت خلال العقود الماضية. فهناك مؤشرات متزايدة على أن الحصانة السياسية والأيديولوجية، بل وحتى الثيولوجية، التي تمتعت بها إسرائيل داخل الحياة السياسية الأمريكية، بدأت تتعرض لتحديات لم تكن مألوفة في السابق. ولم يعد هذا التحول مجرد نقاش داخل الأوساط الأكاديمية، بل أصبح ينعكس في الخطاب السياسي والإعلامي وفي قطاعات من الرأي العام الأمريكي.
إن اللافت في هذا التحول أنه لم ينتج عن نجاح قوة دولية منافسة في فرض تغيير مباشر على الموقف الأمريكي، بل جاء – إلى حد كبير – نتيجة تحولات داخلية في المجتمع الأمريكي نفسه. فالفئات والتيارات التي اعتادت تاريخياً الدفاع عن إسرائيل بصورة تلقائية، لم تعد تمارس هذا الدفاع بنفس اليقين الذي كان سائداً في الماضي. لقد بدأ منطق التساؤل يحل محل منطق المسلمات، وأصبحت السياسات الإسرائيلية موضع نقاش وانتقاد بصورة غير مسبوقة.
وبمجرد ملاحظة هذا التحول، تتكشف صورة مختلفة عن المرحلة السابقة التي سادت فيها قناعة راسخة بأن فكرة الهيمنة الإسرائيلية ستظل ثابتة وغير قابلة للمراجعة. إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت علامات واضحة على إجهاد هذه القناعة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال التغير الذي طرأ على أنماط الولاء السياسي داخل الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، وخاصة بين بعض الأجيال الجديدة، وفي أوساط جامعية وسياسية كانت حتى وقت قريب أقل استعداداً لانتقاد السياسات الإسرائيلية.
وقد ظهر هذا التحول أيضاً في مؤسسات ودوائر كان يُنظر إليها بوصفها ساحات تقليدية للدعم القوي لإسرائيل، حيث شهدت تغيرات ملحوظة في طبيعة النقاش العام. كما برز مرشحون ومسؤولون منتخبون أعلنوا رفضهم لفكرة الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ودعوا إلى إخضاع المساعدات والسياسات الأمريكية لمعايير القانون الدولي والمصلحة الوطنية الأمريكية. وأصبح هذا الخطاب يحظى بتأييد انتخابي في بعض الدوائر، الأمر الذي يعكس تغيراً في المزاج السياسي لدى قطاعات من الناخبين.
وفي الوقت نفسه، تشهد الولايات المتحدة نقاشاً متزايداً حول تأثير جماعات الضغط المختلفة، ودور رؤوس الأموال الكبرى، والعلاقة بين المصالح الاقتصادية والسياسة الخارجية. ويشمل هذا النقاش أطرافاً متعددة ومؤسسات متنوعة، وهو يعكس اتجاهاً أوسع نحو مساءلة مراكز النفوذ أياً كانت طبيعتها، بدلاً من التسليم بها كما كان يحدث في مراحل سابقة. ومن المهم التمييز بين هذا الجدل السياسي المشروع وبين أي تعميمات تستهدف جماعات دينية أو عرقية بعينها، لأن النقاش الديمقراطي ينبغي أن يظل موجهاً إلى السياسات والمؤسسات لا إلى الهويات.
وربما يكمن القلق الأكبر في أن استمرار الاستقطاب الحاد قد يؤدي إلى انتقال الجدل من مستوى نقد السياسات إلى توترات اجتماعية وهوياتية داخل المجتمع الأمريكي، وهو ما قد يخلق إشكاليات جديدة لا تخدم الاستقرار الداخلي ولا النقاش الديمقراطي الرشيد.
وعلى المستوى الدولي، فإن هذا التحول يتزامن مع تغيرات أعمق في بنية النظام العالمي. فالولايات المتحدة تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على موقعها المهيمن، بينما تتقدم قوى آسيوية، وفي مقدمتها الصين، بثبات نحو أدوار أكثر تأثيراً في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية. ومن ثم، فإن العالم يشهد انتقالاً تدريجياً من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددية، الأمر الذي يفرض إعادة صياغة التحالفات والاستراتيجيات الدولية.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المحللين إلى أن إسرائيل أصبحت أكثر إدراكاً لاحتمال تغير موازين القوى العالمية، ولذلك تسعى إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع قوى صاعدة، وعلى رأسها الصين، مع أن هذا التوجه واجه في السنوات الأخيرة قيوداً وضغوطاً أمريكية بسبب المخاوف المتعلقة بنقل التكنولوجيا الحساسة والتنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين.
إن ما يجري اليوم لا يعني بالضرورة نهاية التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، فهو تحالف عميق الجذور وتدعمه مؤسسات ومصالح استراتيجية واسعة، لكنه يشير إلى أن طبيعة هذا التحالف دخلت مرحلة جديدة تتسم بازدياد النقاش الداخلي، وتراجع بعض المسلمات القديمة، وارتفاع مستوى مساءلة السياسات الإسرائيلية داخل المجتمع الأمريكي.
إن التاريخ يعلمنا أن التحالفات الكبرى لا تنهار فجأة، وإنما يعاد تشكيلها تدريجياً وفق تغير موازين القوى، وتحولات المجتمعات، وإعادة تعريف المصالح. وربما يكون ما نشهده اليوم بداية مرحلة جديدة، لا في مستقبل العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية فحسب، بل في طبيعة النظام الدولي بأسره.
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2