السياسي – بعد أكثر من أربعة عقود على اختفائهم في شوارع بيروت الغربية، عاد ملف اليهود اللبنانيين الذين اختطفوا خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى واجهة مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل، في خطوة تكشف أن تل أبيب لا تنظر إلى المباحثات الجارية باعتبارها مجرد آلية لترسيم ترتيبات أمنية جنوب لبنان، بل فرصة لفتح ملفات تاريخية ظلت مجمدة منذ الحرب الأهلية.
وكشفت مصادر لبنانية أن إسرائيل تصرّ خلال جولات التفاوض الأخيرة، على إدراج قضية اليهود اللبنانيين الذين اختطفوا خلال الثمانينيات ضمن سلة الملفات المطروحة، مطالبة بالكشف عن مصير رفاتهم وأماكن دفنهم، في مقابل ملفات يطالب بها الجانب اللبناني، مثل: الأسرى اللبنانيين، والجثامين المحتجزة، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وبحسب المصادر، لا يتعلق الأمر بأسرى أحياء، بل بمجموعة من اليهود اللبنانيين الذين اختفوا بين عامي 1984 و1986، التي أعلنت جهة أطلقت على نفسها اسم “منظمة المستضعفين في الأرض” مسؤوليتها عن خطف معظمهم، وهي الجهة التي شكلت النواة الأولى للتنظيم المسلح الذي يُعرف اليوم باسم “حزب الله”.
وتتفق معظم المصادر التاريخية الإسرائيلية والغربية على أن عدد المختطفين بلغ أحد عشر شخصًا، كانوا جميعًا من أبناء الطائفة اليهودية اللبنانية، ومن بينهم رئيس الطائفة إسحاق ساسون، والطبيب المعروف إيلي حلاق، وأمين عام الطائفة سليم جاموس، إضافة إلى رجال أعمال وتجار ومدنيين.
وبحسب وثائق أرشيفية نشرتها وكالة الأنباء اليهودية، فإن التنظيم الخاطف أعلن في حينه قتل معظمهم، إلا أن عددًا محدودًا فقط من الجثامين جرى العثور عليه، بينما بقيت رفات آخرين مجهولة حتى اليوم، وهو ما يفسر عودة هذا الملف إلى طاولة التفاوض بعد مرور نحو أربعين عامًا.
وفي ذلك الوقت، اتهمت الجهة الخاطفة الضحايا بالعمل لصالح الموساد، وطالبت بالإفراج عن معتقلين في السجون الإسرائيلية، إلا أن عائلاتهم والطائفة اليهودية اللبنانية نفت تلك الاتهامات، مؤكدة أنهم مدنيون لبنانيون لا علاقة لهم بأيّ نشاط استخباراتي.
ويرى باحثون متخصصون في تاريخ يهود لبنان أن عمليات الخطف لم تكن تستهدف الأشخاص أنفسهم بقدر ما كانت تستهدف استخدامهم كورقة ضغط في الصراع مع إسرائيل، في مرحلة شهدت أيضًا خطْفَ عشرات الدبلوماسيين والصحفيين والأجانب في بيروت.
ويشير مؤرخون إلى أن البيانات التي كانت تصدر باسم “منظمة المستضعفين في الأرض”، تضمنت تهديدات متكررة بإعدام الرهائن ردًّا على العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وهو ما حدث بالفعل مع عدد منهم، بينما ظل مصير آخرين غامضًا حتى اليوم.
إعادة فتح هذا الملف في المفاوضات الحالية لا تبدو خطوة إنسانية فقط، وفقًا للمصادر اللبنانية الخاصة، بل تحمل أبعادًا سياسية وأمنية أوسع: “إسرائيل تحاول توسيع نطاق التفاوض بحيث لا يقتصر على الانسحاب من النقاط الحدودية أو تثبيت وقف إطلاق النار، وإنما يمتد إلى ملفات تعتبرها مرتبطة مباشرة بتاريخ حزب الله، بما في ذلك المفقودون والجثامين والأنفاق والبنية الأمنية التي أنشأها الحزب منذ ثمانينيات القرن الماضي”.
وتضيف المصادر أن هذا الملف يمنح تل أبيب ورقة تفاوض إضافية في مواجهة المطالب اللبنانية المتعلقة بإطلاق الأسرى اللبنانيين واستعادة الجثامين المحتجزة لديها، لتصبح المفاوضات عملية تبادل لملفات تاريخية وأمنية متراكمة، وليس مجرد بحث في ترتيبات ما بعد الحرب الأخيرة.
وتقول المصادر: إن إدراج قضية اليهود اللبنانيين يعكس أيضًا حرص إسرائيل على إظهار نفسها أمام الرأي العام الداخلي بأنها لا تتخلى عن ملفات مواطنين أو يهود اختفوا بسبب الصراع معها، حتى وإن كانوا يحملون الجنسية اللبنانية ولم يكونوا جزءًا من مؤسساتها العسكرية.
ورغم مرور أكثر من أربعين عامًا على عمليات الخطف، فإن هذا الملف ما زال يطرح أسئلة لم تجد إجابات واضحة حتى الآن، أبرزها أماكن دفن الضحايا، وما إذا كانت هناك وثائق أو سجلات أو شهادات لدى قيادات سابقة في حزب الله أو لدى أشخاص شاركوا في تلك العمليات.
ولم يصدر عن حزب الله خلال السنوات الماضية أي إعلان رسمي يتناول مصير هؤلاء بالتفصيل، كما لم تظهر معلومات موثقة تحدد أماكن دفنهم أو مصير رفاتهم؛ ما يجعل هذا الملف أحد أكثر الملفات التاريخية غموضًا في تاريخ الصراع اللبناني الإسرائيلي.
وبينما يصر لبنان على أن الأولوية في المفاوضات يجب أن تبقى لوقف الاعتداءات الإسرائيلية واستكمال الانسحاب وإطلاق مسار إعادة الإعمار، تبدو إسرائيل مصممة على استغلال اللحظة الحالية لإعادة فتح ملفات تعود إلى بدايات نشأة حزب الله، في محاولة لانتزاع إجابات عن أسئلة بقيت مدفونة، تمامًا كما بقيت مقابر أصحابها بلا أسماء.