جاري التحميل...

عندما يعقد الوطن نيته،،، فالينتبه احدهم

بقلم شادي عياد

هناك لحظة…

لا يكتبها قرار ولا يعلنها مؤتمر ولا تتصدر نشرات الأخبار.

لحظة يعرفها الناس قبل أن يعرفها أصحاب المكاتب.

لحظة لا تبدأ في القاعات… بل في ضمير الشارع.

لحظة يبدأ فيها الوطن باستعادة نفسه.

فالأوطان كالبحر، تبدو هادئة من بعيد ولكنها في الأعماق تعيد ترتيب أمواجها. وحين يحين الموعد… لا تستطيع قوة على الأرض أن تأمر المد أن يعود إلى الوراء.

وفلسطين تعرف هذه اللحظات أكثر من غيرها.

فكلما ظن أحد أن الناس اعتادت التعب، فاجأه هذا الشعب بأنه لم يعتد إلا الصبر. وكلما ظن أحد أن الكراسي أصبحت أكبر من الوطن، ابتسم التاريخ ساخرًا، لأنه يعرف أن الكراسي لا تصنع المجد… بل الرجال.

بدأ…

بدأ السؤال يكبر.

وبدأ الصمت يجد صوته.

وبدأت العيون تميز بين من يحمل الوطن في قلبه… ومن يحمل المنصب على كتفه.

وبدأت الوجوه التي أثقلها الانتظار تؤمن أن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر.

بدأ… بدأ… بدأ…

بدأ الناس يبحثون عن مسؤول يفتح قلبه قبل مكتبه.

ويفتشون عن ضمير… لا عن لقب.

ويبحثون عن يدٍ تبني… لا يدٍ تبرر.

وبدأوا يدركون أن الكفاءة ليست ترفًا… بل شرطًا لنجاة الوطن.

هذه ليست ثورة على أحد…

إنها ثورة على فكرة أن يصبح الخطأ عادة، وأن تتحول الواسطة إلى نظام، وأن يقف المجتهد في آخر الصف، بينما يتقدم من لا يحمل إلا اسمه.

بدأ… بدأ… بدأ…

بدأت فلسطين تستعيد لغتها الأولى…

لغة العمل.

لغة النزاهة.

لغة الأكتاف التي تحمل الوطن، لا الألقاب.

لغة الرجل الذي يخجل من التقصير أكثر مما يفرح بالتصفيق.

ولغة المرأة التي ترى في الوظيفة عهدًا مع الناس، لا امتيازًا عليهم.

ولأن الشعوب الحية لا تموت…

فإنها مهما تعثرت، تعرف كيف تنهض.

ومهما أثقلتها السنوات، تعرف كيف تكتب فصلها الأجمل.

ليس لأن المعجزات تهبط من السماء…

بل لأن الأوطان التي أنجبت كل هذا الصبر، لا تعجز عن إنجاب زمنٍ أكثر عدلًا ووجوهٍ أكثر صدقًا.

وعندما يعقد الوطن نيته…

لا يكون التغيير صرخة.

بل مسيرة.

ولا يكون انتقامًا.

بل مراجعة.

ولا يكون سقوط أشخاص…

بل سقوط زمنٍ كامل، ظن أن الوطن خُلق ليحرس مصالحه، فإذا بالوطن ينهض ليستعيد أبناءه.

وعندها…

لن يسأل الفلسطيني: من انتصر؟

بل سيسأل سؤالًا واحدًا…

هل عادت فلسطين إلى الفكرة التي استشهد من أجلها الشهداء… وإلى الحلم الذي عاش في قلوب أبنائها؟