يقولون إن الجمهورية تتقدم.
وربما هم صادقون…
فهي تربح كل يوم شيئًا جديدًا.
تربح المزيد من الخطابات…
والمزيد من اللجان…
والمزيد من المؤتمرات…
والمزيد من الصور التذكارية.
تربح الألقاب حتى ضاقت بها بطاقات التعريف.
وتربح الشعارات حتى لم يعد في الجدران مكان لشعار جديد.
أما المواطن…
فهو المشروع الوحيد الذي لم تربحه الجمهورية.
كلما أعلنت نجاحًا…
خسر راتبًا.
وكلما احتفلت بإنجاز…
احتفل هو بوصول الماء إلى منزله لساعتين.
وكلما تحدثت عن الصمود…
بحث عن محطة وقود، أو دواء، أو فرصة عمل، أو بصيص يقنع أبناءه أن الغد ليس نسخة باهتة من الأمس.
في هذه الجمهورية…
لا أحد يعترف بوجود أزمة.
الأزمة دائمًا في الطقس…
أو في الظروف…
أو في العالم…
أو في أي مكان، إلا في المرآة.
حتى صار المواطن يشعر أنه يعيش داخل نشرة إنجازات، بينما جيبه يعيش داخل نشرة عزاء.
والأجمل…
أن الجميع يتحدث باسم الشعب.
إلا الشعب.
والجميع يقرر مصلحة المواطن.
إلا المواطن.
والجميع يعرف ما يحتاجه الناس…
إلا الذين يقفون معهم في الطوابير.
لقد ربحت الجمهورية المباني…
وربحت المكاتب…
وربحت السيارات…
وربحت الأختام…
وربحت آلاف الصفحات من التقارير التي تنتهي دائمًا بعبارة: “الأوضاع تحت السيطرة”.
أما الإنسان…
فما زال ينتظر دوره في آخر الطابور.
وحين يسأل أحدهم:
كيف وصلنا إلى هنا؟
تتشكل لجنة.
ثم لجنة لدراسة اللجنة.
ثم لجنة لمتابعة توصيات اللجنة.
ثم ينام السؤال…
ويستيقظ وجع الناس من جديد.
إن أخطر خسارة لا تحدث عندما تخسر الدولة مالًا…
بل عندما يقتنع المواطن أن وجوده أو غيابه لم يعد يحدث فرقًا.
عندها تكون الجمهورية قد ربحت كل شيء…
المباني…
والشعارات…
والاحتفالات…
والأختام…
والمناصب…
والتقارير…
لكنها خسرت الشيء الوحيد الذي من أجله وُجدت…
مواطنيها.
بقلم شادي عياد