جاري التحميل...

الدولة بخير… والمواطن هو المشكلة

 

بقلم شادي عياد

أعلنت الدولة، في بيان عاجل أن كل شيء بخير.

الاقتصاد بخير والسياسة بخير والإدارة بخير والمؤسسات بخير والخطط بخير واللجان بخير والتقارير بخير… وحتى المستقبل بحسب آخر تقرير، بخير جدًا.

أما المواطن…

فقد تم العثور عليه في حالة غير مستقرة.

يعاني من القلق، والغضب، وقلة الثقة، وكثرة الأسئلة، والإصرار الغريب على معرفة أين ذهب راتبه، ولماذا تأخر دوره، ومن أخذ حقه، ولماذا ترتفع الأسعار بينما تنخفض الخدمات، ولماذا يُطلب منه الصبر كلما نفد صبر الذين يطلبونه منه.

وقد نُصح المواطن حفاظًا على صحته النفسية، بعدم متابعة الأخبار، وعدم النظر إلى جيبه، وعدم طرح الأسئلة.

وعند الضرورة القصوى، أن يردد قبل النوم:

«أنا بخير… الدولة بخير… إذن المشكلة فيّ.»

والدولة بخير فعلًا.

الدليل؟

مكاتب، وكراسٍ، وسيارات، واجتماعات، ومؤتمرات، ولجان، وبيانات… ومسؤولون قادرون على شرح سبب كونك بخير، رغم أنك تعرف أنك لست كذلك.

تقف ثلاث ساعات في الطابور، فيقال لك: الأمور ممتازة.

تبحث عن وظيفة: سوق العمل يتحسن.

تبحث عن راتبك: الوضع المالي تحت السيطرة.

تبحث عن الماء: الموارد محدودة.

تبحث عن العدالة: الإجراءات تحتاج وقتًا.

تبحث عن كرامتك…

الكرامة لم تُدرج في الموازنة.

أما الحكومة، فهي بخير أيضًا.

الحكومة لا تتعطل، فهي تشكل لجنة.

ولا تتأخر، فهي تضع خطة.

ولا تخطئ، فهي تصدر بيانًا يشرح أن الخطأ ظرف استثنائي يحتاج إلى دراسة معمقة.

وإذا زادت الأسعار، تدرس.

وإذا نقصت الخدمات، تتابع.

وإذا غضب الناس، تشكل لجنة.

وإذا فشلت اللجنة…

تشكل لجنة لمتابعة توصيات اللجنة.

ثم يخرج علينا مسؤول بوجه مطمئن ويقول:

«الأمور تحت السيطرة.»

أي سيطرة هذه؟

حتى المواطن لم يعد يعرف أين يضع يده!

المشكلة أن المواطن أصبح قليل الامتنان.

يريد أن يعيش.

يريد بيتًا يستطيع دفع إيجاره، وراتبًا لا ينتهي قبل ان يصل، ومدرسة لا تجعل مستقبل ابنه مشروع حظ، ومستشفى لا يخاف دخوله أكثر من المرض، وقانونًا لا يتغير بحسب اسم الشخص الواقف أمامه.

ويريد مسؤولًا إذا أخطأ أن يقول:

أخطأنا.

يا لها من مطالبة خطيرة!

لقد تطورنا كثيرًا.

في الماضي كان المسؤول يخاف من غضب المواطن.

اليوم…

المواطن هو الذي يخاف أن يغضب.

كان يسأل: «ماذا ستفعلون؟»

واليوم يسأل نفسه: «هل يجوز لي أن أسأل؟»

وهذه ليست أزمة خدمات فقط.

هذه أزمة علاقة بين المواطن والمكان الذي يفترض أن يحميه.

ثم يأتي الخبير ليقول:

«المواطن بحاجة إلى تغيير ثقافته.»

طبعًا.

فالمواطن هو المشكلة.

لم يتعلم كيف يكون فقيرًا بسعادة، ولا كيف ينتظر بابتسامة، ولا كيف يرى الواسطة ويعتبرها نظامًا اجتماعيًا، ولا كيف يصفق لإنجاز لم يصل إلى بيته.

لم يتعلم بعد أهم مهارة في الجمهورية الحديثة:

كيف تشكر من قصّر في حقك لأنه أخبرك أنه يحاول.

والأجمل…

أن الدولة لا تغضب من المواطن لأنه فقير.

تغضب منه لأنه يتحدث عن فقره.

لا تغضب لأنه مظلوم.

تغضب إذا سمّى الظلم ظلمًا.

لا تغضب لأنه فقد الثقة.

تغضب إذا قال إنه فقدها.

وهكذا يصبح الصمت فضيلة، والسؤال مشكلة، والشكوى سلوكًا غير حضاري، والاعتراض نقصًا في الانتماء.

لكن هناك شيئًا لا تستطيع البيانات واللجان والمؤتمرات إخفاءه:

العيون.

عين الأب وهو يحسب مصروف البيت.

عين الأم وهي تخبئ قلقها.

عين الشاب الذي أنهى الجامعة ولا يعرف إلى أين يذهب.

عين الموظف الذي يعمل شهرًا كاملًا وراتبه لا يعمل أسبوع.

وعين المواطن الذي كان يغضب…

ثم تعب من الغضب.

وهذه أخطر مرحلة.

فالغاضب ما زال يريد.

أما الذي لم يعد يريد…

فقد بدأ ينسحب من الحكاية.

لذلك، لا تخافوا من المواطن الذي يرفع صوته.

استمعوا إليه.

ولا تخافوا من الذي ينتقد.

ربما يكون آخر من يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ولا تخافوا من الأسئلة.

فالبلد الذي يخاف من السؤال لا يحتاج إلى مواطنين…

بل إلى جمهور.

والجمهور يصفق.

أما المواطن…

فيسأل.

وفي نهاية كل عام، ستصدر الدولة بيانها:

الدولة بخير.

ستُعرض الأرقام، وتُفتتح المشاريع، وتُلتقط الصور، وتُكتب العبارات الكبيرة.

ثم يعود المواطن إلى بيته.

يفتح الثلاجة…

يفتح محفظته…

يفتح حسابه…

ثم يغلق كل شيء.

ويجلس قليلًا في الظلام.

ليس لأنه لا يحب الدولة.

بل لأنه يحبها أكثر مما تحتمل البيانات.

ولأنه رغم كل شيء، ما زال يريد أن يصدق أن هذا المكان يمكن أن يكون أجمل.

وأن الدولة يمكن أن تكون له…

لا عليه.

وعندها فقط نفهم الحقيقة:

ليست المشكلة أن المواطن كثير الشكوى.

المشكلة أن المواطن بدأ يقتنع بأن شكواه نفسها…

لم تعد تُحدث فرقًا.

وهذه ليست مشكلة المواطن.

هذه مشكلة دولة.

بقلم شادي عياد