جاري التحميل...

التحالف الجديد في الشرق الأوسط قد يقرّب التوصل إلى حل سياسي مع إيران

هآرتس
لا تتحمس مصر للانضمام إلى التحالف السعودي–التركي–الباكستاني، الذي يُظهر تضاربًا في المصالح ورواسب من الماضي. مصادر إسرائيلية: القاهرة تتفق على أن تركيا لا ينبغي أن تكون جزءًا من القوة في غزة.

تحاول السعودية وتركيا وباكستان تشكيل تحالف إقليمي جديد يمنحها قدرة عسكرية مشتركة وقوة سياسية تمكّنها من فرض أجندة إقليمية. لكن مصر لا تزال، حتى الآن، خارج هذا التحالف، رغم أنها مرشحة طبيعية ومهمة للغاية للانضمام إليه. وهذا الاختلاف ليس هامشيًا، بل يكشف منذ مرحلة مبكرة مدى محدودية قدرة التحالف الجديد على التحول إلى إطار استراتيجي واسع حقًا. وعلى الورق، فإن بابه مفتوح أمام كل دولة ترغب في الانضمام إليه.

لكن عمليًا، فإن مجرد التردد المصري — أو ربما الرفض السعودي لاعتبار مصر شريكًا مرغوبًا فيه — يكشف تشابك المصالح والشكوك والحسابات المتعارضة التي رافقت هذه الخطوة منذ بدايتها. وكان من المفترض أن يصل وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى مصر أمس للمشاركة في اللقاء الاستراتيجي الثاني بين البلدين. غير أنه يُتوقع أن يكرّس الجزء الأكبر من زيارته لمحاولة إقناع مصر بالانضمام إلى التحالف الجديد الذي أبدت تجاهه حتى الآن فتورًا واضحًا.

هل رفضت مصر الدعوة فعلًا، أم أن السعودية هي التي عارضت انضمامها؟ يدور حول هذه المسألة منذ يومين جدل إعلامي محدود. ووفقًا لتقرير نشره موقع Middle East Eye، فإن السعودية هي التي رفضت اقتراح تركيا ضم مصر. وبحسب التقرير، يعود ذلك إلى أن مصر “لم تعد تقدم القيمة الاستراتيجية التي كانت تتمتع بها في السابق”، وأن مساهمتها في الحرب السعودية ضد الحوثيين “كانت ضئيلة”، وأن مصر أصبحت “تابعة” للإمارات العربية المتحدة، ولا سيما على الجبهة اليمنية.

وقال دبلوماسي مصري سابق لـ”هآرتس” أمس إنه يكفي النظر إلى السياسة المصرية الثابتة خلال السنوات الأخيرة للاستنتاج أن مصر ليست في عجلة من أمرها لربط نفسها بجبهات قد تجرها إلى حروب إقليمية. وقال الدبلوماسي: “السعودية حليف استراتيجي لمصر، ولها فضل كبير علينا، ونحن نقدر كثيرًا المساعدات الواسعة التي قدمتها لنا. لكن تحالفًا غير عربي، تكون فيه تركيا وباكستان عضوين بارزين، ولكل منهما مصالح وصراعات لا علاقة لها بمصر، قد يجبر مصر على المشاركة في حروب لا تخصها”.

وتساءل الدبلوماسي عما إذا كانت مصر ستكون ملزمة بالقتال إلى جانب باكستان إذا تعرضت الأخيرة لهجوم من الهند. وأضاف: “وماذا لو تعرضت تركيا لهجوم من إسرائيل بسبب مواجهة بينهما في سوريا؟ فمصر لديها اتفاق سلام مع إسرائيل، فهل سيكون عليها عندئذ أن تخرقه؟”. والمفارقة أن مصر، حتى في المواجهات التي تمسها مباشرة، مثل الحرب ضد الحوثيين وحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، لا تسارع إلى إرسال قوات عسكرية. فهي، وإن كانت عضوًا “مسجلًا” في التحالف الدولي الذي أنشأته السعودية في يوليو لحماية حرية الملاحة، لم تصادق على مشاركتها لأسباب قانونية. كما ينبغي أخذ الادعاء السعودي بشأن المساهمة المحدودة للقاهرة في الحرب ضد الحوثيين، التي بدأت أصلًا عام 2015، في الحسبان. وفي صراعات أبعد، مثل الحرب الأهلية في ليبيا، نسقت مصر مواقفها مع الإمارات العربية المتحدة ودعمت الجنرال الانفصالي خليفة حفتر في مواجهة الشراكة العسكرية التركية–القطرية التي دعمت الحكومة المعترف بها.

ولا تقتصر العوائق أمام مصر على تضارب المصالح. فرواسب الماضي لا تزال ذات وزن كبير. صحيح أن مصر أعادت علاقاتها مع تركيا عام 2023، بعد قطيعة سياسية طويلة بدأت عام 2013 عندما أطاح السيسي بمحمد مرسي، الرئيس المنتخب والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين الذي كان أردوغان يدعمه، واعتقله. وكان الرئيس التركي، الذي لم يعترف بحكم السيسي ووصف استيلاءه على السلطة بأنه انقلاب، قد تحول إلى عدو لدود للرئيس المصري، ومنح قيادة الإخوان المسلمين ملاذًا. وبحسب السيسي، ظل أردوغان طوال الوقت يحاول إحداث انقلاب مضاد في مصر. وفي نهاية المطاف، دفعت الضائقة الاقتصادية في مصر السيسي، ببطء وحذر، إلى مصافحة أردوغان، الذي فتح خزائنه وشجع الشركات التركية على الاستثمار في مصر وجعلها الشريك التجاري الرئيسي لتركيا في أفريقيا.

لكن الشكوك لم تتبدد فعليًا. فما زال السيسي يرى أردوغان راعيًا لجماعة الإخوان المسلمين، كما أنه لا يتفق معه — ولا مع السعودية أيضًا — في النظرة المتفائلة إلى أحمد الشرع في سوريا، وهو، مثل إسرائيل، يشك في أنه جهادي، أو على الأقل رئيس قد يحول سوريا إلى دولة تحكمها الشريعة. وقال محلل مصري تحدث إلى “هآرتس”: “عندما تشتكي السعودية من غياب التعاون المصري، ويعانق بن سلمان أردوغان، يجدر تذكير ولي العهد بأن أردوغان وصفه بالقاتل، وأدار تحقيقًا مكثفًا ورفع دعاوى ضد مسؤولين سعوديين كبار بعد قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي في إسطنبول عام 2018”. وأضاف غاضبًا: “فجأة أصبحت مصر، في نظره، هي العقبة التي تمنعه من إدارة سياسته؟”.

وبالمناسبة، فإن مصر بعيدة كل البعد عن الرضا عن تبني ترامب لتركيا باعتبارها دولة وساطة رئيسية في غزة بسبب علاقاتها مع حماس. ووفقًا لمصادر إسرائيلية، تشارك القاهرة إسرائيل موقفها القائل إن القوات التركية لا ينبغي أن تكون جزءًا من القوة متعددة الجنسيات في غزة.

وقد شهدت العلاقات بين مصر والسعودية بالفعل فترات من الصعود والهبوط. وفي كل مرة، بذل قادة البلدين جهودًا للتغطية على خلافاتهما بعبارات المصالحة والتصريحات عن “تحالف الأشقاء” و”الشراكة الاستراتيجية العميقة” القائمة بين الدولتين. إلا أن الخلاف الاستراتيجي الجوهري بينهما ظل قائمًا. فالسعودية، التي دعمت نظام السيسي منذ ثورات الربيع العربي بمبالغ ضخمة تُقدّر بنحو 30 مليار دولار، كانت تأمل أن يؤدي اعتماد مصر الاقتصادي عليها إلى ضمان حليف دائم ومخلص لها في كل تحرك سياسي أو عسكري. لكن السعودية تبنت في يناير/كانون الثاني 2023 سياسة اقتصادية جديدة هزّت مصر.

ففي المنتدى الاقتصادي في دافوس، أعلن وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن السعودية لن تقدم بعد الآن مساعدات من دون شروط، وأنها تعمل بالتعاون مع مؤسسات التمويل الدولية على ربط المساعدات بإصلاحات اقتصادية. وبذلك انتهى عهد الأموال السهلة وغير المشروطة. وكانت مصر في ذلك الوقت تجري مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، فأدركت أن شبكة الأمان التي كان يُفترض أن توفرها لها السعودية لن تأتي، وأن الاستثمارات السعودية نفسها ستجبرها أيضًا على تنفيذ إصلاحات قد تضع الحكومة في مواجهة مع الجيش.

وبعد وقت قصير من مؤتمر دافوس، نشر اثنان من أبرز المعلقين السعوديين المقربين من بلاط بن سلمان، تركي الحمد وخالد الدخيل، تغريدات شديدة اللهجة ضد السياسة الاقتصادية المصرية. وكتب الحمد: “هناك نموذجان لمصر: الأول مصر ما قبل ثورة 1952 (التي أطيح فيها بالملك فاروق وصعد جمال عبد الناصر إلى الحكم)، وكذلك مصر التي أعقبتها؛ وفي المقابل مصر اليوم، مصر البطالة والأزمات الاقتصادية والسياسية والمشكلات الاجتماعية والعنف الذي لا يشبه ما عرفناه في السابق. ماذا حدث لمصر التي كانت غنية بقدراتها وثرواتها، تلك التي كانت تُقرض الأموال وتساعد المحتاجين، وأصبحت الآن تمد يدها طلبًا لكل مساعدة من هنا وهناك؟ هل هذه هي أرض اللبن والعسل؟”.

أما الدخيل فكان لديه انتقاد آخر لمصر. وكتب: “ما حدث لمصر هو أنها لم تخلع الزي العسكري منذ عام 1952. هُزمت عام 1967، ومنذ ذلك الحين تبدد البريق الذي رافق ثورة 1952 كما عرفه المصريون والعرب. إن سيطرة الجيش على اقتصاد الدولة لم تسمح ببناء بديل سياسي واقتصادي فيها”.

ولم يتأخر الرد المصري. فقد كتب الصحافي المصري عبد الرزاق توفيق، الذي كان رئيس تحرير صحيفة “الجمهورية” الحكومية المصرية والمقرب من الرئيس السيسي: “لا يحق للحفاة والعراة، الذين ارتدوا مؤخرًا ثياب الرفاهية، أن يهينوا مصر، الدولة التي هي موضع إعجاب وأم الدنيا، بتاريخها العريق وحاضرها ومستقبلها وحضارتها وانتصاراتها ومواطنيها، رمز العظماء”. وأضاف: “ليس من حق الوضيعين، وأولئك الذين وصلوا للتو إلى المجد، أن يهينوا أسيادهم. إنهم مجرد هواء وفراغ سيختفي مع هبوب عاصفة خفيفة. دول لا يزيد عمرها على عمر ابني الأصغر ليس لها أي حق في الحديث عن مصر إلا بأدب واحترام وتقدير”.

ورغم أن المقال حُذف بعد وقت قصير، فإن الغضب بقي. ومنذ ذلك الحين، واصلت السعودية الاستثمار في مصر، لكن قطر والإمارات العربية المتحدة فعلتا ذلك أيضًا. والإمارات، مثل مصر، ليست شريكة في أي من التحالفات التي أنشأتها السعودية أو في “التحالف الجديد” مع تركيا وباكستان.

هذه العلاقات والفجوات في التصورات لا تبشر بثورة استراتيجية إقليمية قادرة وراغبة في مواجهة التهديد الإيراني عسكريًا، أو فتح مضيق هرمز بالقوة، أو رفع الحصار الذي فرضه الحوثيون على الملاحة في البحر الأحمر. وفي المقابل، فإن التحالف الثلاثي، حتى لو توسع ليضم مصر ودولًا أخرى، والذي أعلن أنه لا يستهدف أي دولة، قد يقدم مخرجًا آخر، أكثر تواضعًا لكنه ربما أكثر واقعية من تصور إنشاء تحالف إقليمي مقاتل.

ووفقًا لهذا السيناريو، قد تفضل دول “التحالف” استثمار مجرد تبلور هذا الإطار لفتح قناة دبلوماسية مباشرة مع إيران، تسعى إلى تنظيم قواعد اللعبة في الخليج والبحر الأحمر ومضيقي هرمز وباب المندب. فتحالف فضفاض، يُشك في قدرته على الصمود أمام اختبار خوض حرب مشتركة، قد يتبين تحديدًا أنه منصة أكثر ملاءمة للمفاوضات.

وإذا تطورت الأمور على هذا النحو، فلن تكون النتيجة تشكيل جبهة إقليمية ضد إيران، بل محاولة من القوى الإقليمية لتجاوز الولايات المتحدة، وانتزاع إدارة الأزمة من يديها، والتوصل مع طهران إلى تفاهم يحد من التصعيد من دون انتظار حسم أمريكي