جاري التحميل...

بدائل وخيارات حركة فتح لخوض الانتخابات التشريعية 2026

دكتور حسين رداد/ مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

تدخل حركة فتح الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026 أمام معادلة استراتيجية شديدة التعقيد؛ فهي مطالبة داخلياً وخارجياً بتجديد الشرعية وإجراء الإصلاح السياسي بعد عشرين عاماً من آخر انتخابات تشريعية، في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية ظروفاً استثنائية بفعل الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات على المواطنين، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، واستمرار الانقسام الفلسطيني وتعزز خاصة بعد السابع من اكتوبر 2023، وتراجع قدرة السلطة الوطنية على الوفاء بالتزاماتها المالية؛ ولذلك لن تكون الانتخابات مجرد منافسة على المقاعد، وإنما اختباراً لشرعية النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على إعادة إنتاج نفسه في ظل بيئة داخلية وخارجية ضاغطة.

تتمثل المعضلة الأساسية أمام حركة  فتح في أن السلطة الوطنية، بحكم ارتباطها السياسي والتنظيمي بالحركة في الوعي الشعبي، تتحمل كلفة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية حتى عندما يكون الاحتلال سبباً رئيسياً فيها؛ فحجز أموال المقاصة، وتراجع فرص العمل، وتأخر الرواتب، وتدهور الأوضاع المعيشية، إلى جانب عدم قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية عن حماية المواطنين من اعتداءات المستوطنين، قد تدفع قطاعات من الناخبين إلى التصويت العقابي ضد حركة فتح باعتبارها القوة السياسية التي تتحمل مسؤولية إدارة السلطة،  ومن ثم قد تتحول الانتخابات إلى استفتاء على أداء السلطة أكثر منها تصويتاً على البرنامج السياسي للحركة.

تضيف البيئة الجغرافية والأمنية تحدياً آخر؛ إذ تجري الانتخابات في ظل تقطيع متزايد لأوصال الضفة الغربية، وصعوبة الحركة بين المدن والقرى فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وُجد حتى ديسمبر 2025 نحو  925 عائقاً للحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منها 232 بوابة طرق، و89 حاجزاً دائماً، و218 حاجزاً جزئياً، و114 إغلاقاً خطياً، إضافة إلى 120 بوابة جديدة أقيمت خلال 2025،  كما أن 459 عائقاً تعيق الوصول بين المدن والقرى والطرق الرئيسية، وهذا يعني أن الاحتلال لا يسيطر فقط على الأرض، بل بات يمتلك قدرة على هندسة المجال الانتخابي نفسه من خلال التحكم في الحركة والاتصال بين التجمعات الفلسطينية، فضلاً عن صعوبة إجراء انتخابات شاملة في غزة والقدس، ويهدد ذلك بإنتاج انتخابات ناقصة جغرافياً وشرعية منقوصة سياسياً. وعليه، فإن الخيار الأكثر ملاءمة لحركة  لتح هو التمسك بمبدأ الانتخابات الشاملة في الضفة وغزة والقدس، مع تحميل الاحتلال مسؤولية أي عوائق تحول دون إجرائها، بدلاً من الظهور كطرف يسعى إلى تأجيلها.

يبرز في المقابل احتمال تشكل قائمة انتخابية عابرة للفصائل تضم حركة حماس، والتيار الإصلاحي المرتبط بمحمد دحلان، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، والمبادرة الوطنية، إلى جانب شخصيات مستقلة وفتحاوية معارضة، وتكمن خطورة هذا الاحتمال في أن هذه القوى، رغم اختلافاتها الأيديولوجية والسياسية، يمكن أن تلتقي انتخابياً حول عنوان التغيير والإصلاح وإنهاء الوضع القائم، بما يسمح لها باستقطاب الصوت الاحتجاجي والمستقل والشبابي، وربما جزء من القاعدة الفتحاوية غير الراضية عن أداء الحركة والسلطة ويصبح هذا الاحتمال أكثر تأثيراً إذا استطاع التحالف تقديم نفسه باعتباره بديلاً وطنياً لا مجرد ائتلاف فصائلي.

المتغير الأكثر خطورة الذي ينبغي إضافته إلى تقدير الموقف هو احتمال الانقسام الانتخابي داخل فتح نفسها؛ فقد يؤدي اختيار القيادة لقائمة تضم شخصيات تنظيمية أو سياسية لا تمتلك رصيداً شعبياً كافياً إلى حالة من عدم الرضا داخل القاعدة الفتحاوية، خصوصاً إذا شعرت الكوادر والشخصيات المحلية بأن معايير الاختيار لم تعتمد على الشعبية والكفاءة والقبول الاجتماعي، وفي هذه الحالة قد تتشكل قوائم فتحاوية مستقلة تنافس القائمة الرسمية، فتتحول الانتخابات من منافسة بين فتح وخصومها إلى منافسة متعددة على الصوت الفتحاوي نفسه، ويكتسب هذا السيناريو خطورته من تجربة 2006، عندما أدى تعدد القوائم وتشتت الأصوات إلى إضعاف قدرة فتح على تحويل وزنها التنظيمي والشعبي إلى مقاعد برلمانية.

الخطر الاستراتيجي على فتح يتكون من مثلث مترابط: التصويت العقابي على أداء السلطة، وتشكيل قائمة معارضة عابرة للفصائل، والانقسام الانتخابي الداخلي عبر قوائم فتحاوية منافسة، وإذا تزامنت هذه المتغيرات، فإن حركة فتح قد تفقد موقع الكتلة الأكبر حتى مع احتفاظها بقاعدة انتخابية واسعة؛ لأن المشكلة لن تكون في حجم التأييد لفتح فقط، وإنما في قدرة الحركة على منع تجزئة هذا التأييد بين القائمة الرسمية والقوائم الفتحاوية المنافسة، وهذا يجعل السؤال المركزي أمام القيادة ليس فقط كم صوتاً تستطيع فتح الحصول عليه؟، وإنما كم قائمة ستنافس فتح على أصوات الفتحاويين؟

لدى حركة فتح أربعة بدائل رئيسية: الأول خوض الانتخابات بقائمة تنظيمية تقليدية، وهو الخيار الأقل ملاءمة بسبب ارتفاع احتمال التصويت العقابي والانشقاق الانتخابي؛ الثاني تشكيل قائمة فتح وطنية موسعة تضم قيادات فتحاوية إلى جانب مستقلين وكفاءات وشباب ونساء وشخصيات ذات ثقل اجتماعي، وهو الخيار الأكثر واقعية؛ الثالث تقديم قائمة تحت عنوان الإصلاح والتجديد الوطني، بحيث تخوض فتح الانتخابات بوصفها قوة لإعادة بناء النظام السياسي وليس للدفاع عن الوضع القائم؛ والرابع بناء تحالف انتخابي وطني واسع مع قوى منظمة التحرير والمستقلين لمنع تشكل كتلة مضادة لفتح، أما التحالف الانتخابي المباشر مع حماس فيبدو عالي الكلفة سياسياً خاصة في ظل رفض اسرائيل وامريكا لدخول حركة حماس الانتخابات بشكلها الحالي، وإن كان يمكن السعي إلى تفاهم وطني مسبق حول قبول النتائج وعدم استخدام القوة ومنع الإقصاء السياسي.

البديل الأكثر ملاءمة هو قائمة وطنية إصلاحية بقيادة حركة فتح، ولكن بشرط أن تكون قائمة ذات رصيد شعبي حقيقي لا مجرد قائمة تعكس التوازنات التنظيمية ومراكز النفوذ داخل الحركة، وينبغي أن تستند عملية اختيار المرشحين إلى معايير واضحة تشمل الشعبية، والنزاهة، والكفاءة، والقدرة على المنافسة، والحضور الجغرافي والاجتماعي، مع إعطاء القاعدة الفتحاوية دوراً ملموساً في اختيار المرشحين. فالاستراتيجية الأكثر خطورة هي فرض قائمة من أعلى إلى أسفل، لأن ذلك قد يحول الاستياء التنظيمي إلى قوائم انتخابية منافسة تحمل أسماء فتح وتستقطب أصواتها، وبذلك يصبح المطلوب من حركة فتح إدارة معركتين في آن واحد: توحيد البيت الفتحاوي ومنع الانقسام الانتخابي الداخلي، ثم مواجهة القوائم المنافسة خارج الحركة. ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد المحافظة على عدد المقاعد، بل إعادة بناء صورة فتح باعتبارها قوة قادرة على تجديد النظام السياسي وإصلاح السلطة وحماية المشروع الوطني،  ولذلك فإن الرسالة الانتخابية الأكثر ملاءمة ليست فتح صاحبة الشرعية التاريخية، ولا فتح هي السلطة، وإنما: فتح تتقدم لتجديد الشرعية وإصلاح النظام السياسي وحماية الوطن والمواطن.

في  النهاية: يُرجح أن تبقى فتح القوة السياسية الأكثر قدرة على المنافسة، لكنها ليست مضمونة الاحتفاظ بموقع الكتلة الأكبر، ويكمن الخطر الأعلى في تلاقي ثلاثة مسارات: تراجع الثقة بالسلطة، تشكل تحالف انتخابي مضاد لفتح، وانقسام القاعدة الفتحاوية عبر قوائم منافسة للقائمة الرسمية،  لذلك فإن المعركة الحاسمة لفتح تبدأ قبل يوم الاقتراع: فإذا نجحت في إنتاج قائمة ذات شرعية شعبية داخل الحركة وخارجها، واستوعبت المستقلين والكفاءات، وضبطت الانقسام الداخلي، فإنها تستطيع تحويل الانتخابات إلى فرصة لتجديد مركزيتها؛ أما إذا فشلت في ذلك، فقد يتحول تعدد القوائم الفتحاوية إلى سيناريو 2006 من داخل فتح، بما يهدد ليس فقط موقعها في المجلس التشريعي، وإنما استقرار النظام السياسي الفلسطيني برمته.