دراسة فلسفية–اجتماعية–سيكولوجية في تحولات الهوية والسلطة والحق
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
السؤال الذي لم يُحسم
ليست القضية الفلسطينية مجرد صراع على الأرض، ولا مجرد نزاع على الحدود والسيادة، وإنما هي أيضاً صراع على تعريف من هو الفلسطيني، ومن يمثل الفلسطيني، وأي فلسطين نتحدث عنها عندما نقول: فلسطين.
فمنذ نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، ظل الفلسطيني موزعاً بين جغرافيا متعددة: فلسطيني الداخل، وفلسطيني الضفة الغربية، وفلسطيني قطاع غزة، واللاجئون، وفلسطينيو الشتات. ومع ذلك ظل الوعي الوطني يحاول إنتاج وحدة رمزية وسياسية تتجاوز هذا التوزع الجغرافي.
لكن التحول الذي عرفته منظمة التحرير الفلسطينية، خصوصاً منذ الانتقال من خطاب تحرير فلسطين التاريخية إلى مشروع إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، أنتج إشكالية جديدة لم تُحل بصورة فلسفية أو سياسية نهائية.
وهنا يبرز السؤال:
إذا كانت منظمة التحرير تمثل الشعب الفلسطيني كله، فكيف يمكن أن تتغير جغرافيا المشروع السياسي من فلسطين التاريخية إلى أراضي عام 1967 دون إعادة تعريف واضحة لموقع فلسطينيي الداخل واللاجئين والشتات داخل هذا المشروع؟
إن هذا السؤال لا يستهدف إلغاء فلسطينية أي مجموعة، ولا يمنح مجموعة فلسطينية حقاً حصرياً في فلسطين، وإنما يبحث في العلاقة بين الشعب والإقليم، وبين الهوية والسيادة، وبين التمثيل والشرعية.
أولاً: من فلسطين بوصفها مكاناً إلى فلسطين بوصفها وجوداً
المكان الفلسطيني ليس مجرد مساحة جغرافية. إنه، بالمعنى الوجودي، ذاكرة وهوية وامتداد تاريخي.
فالقرية الفلسطينية ليست حجارة فقط، والمدينة ليست شوارع فقط، والأرض ليست عقاراً قابلاً للبيع والشراء فحسب. إنها جزء من تكوين الوعي الجمعي.
وهنا يمكن الاستفادة من هيدغر في فهم علاقة الإنسان بالمكان؛ فالإنسان لا يوجد في فراغ، بل يوجد دائماً في عالم، والمكان يتحول إلى جزء من معنى الوجود.
ومن هنا فإن اقتلاع الفلسطيني من مكانه لا يعني فقط نقله من نقطة جغرافية إلى نقطة أخرى، وإنما يعني في كثير من الأحيان إحداث قطيعة بين الإنسان وذاكرته المكانية.
لهذا أصبحت فلسطين في الوعي الفلسطيني شيئاً يتجاوز الحدود السياسية.
فهي بالنسبة إلى فلسطيني حيفا، حيفا؛ وبالنسبة إلى فلسطيني الخليل، الخليل؛ وبالنسبة إلى اللاجئ، القرية التي خرج منها آباؤه وأجداده؛ وبالنسبة إلى فلسطيني غزة، غزة بوصفها مكاناً للوجود والمقاومة والذاكرة.
وهكذا نشأ مفهوم فلسطين المتعددة جغرافياً والواحدة وجدانياً.
ثانياً: منظمة التحرير وإنتاج الوحدة السياسية
جاءت منظمة التحرير الفلسطينية محاولةً لتحويل هذا الوجود المتشتت إلى ذات سياسية واحدة.
وهنا تكمن أهميتها التاريخية.
فهي لم تكن في بدايتها مجرد حكومة لسكان منطقة جغرافية محددة، بل كانت محاولة لإنتاج تمثيل سياسي لشعب فقد وحدته الإقليمية بعد النكبة.
وبهذا المعنى، كانت منظمة التحرير مشروعاً لتجاوز الانقسام الجغرافي.
الفلسطيني الموجود في مخيمات لبنان، والفلسطيني الموجود في الضفة، والفلسطيني الموجود في غزة، والفلسطيني الموجود في الأردن، والفلسطيني الموجود في الداخل، كانوا يُفترض أن ينتموا إلى ذات وطنية واحدة.
لكن هذه الوحدة السياسية كانت تحمل في داخلها تناقضاً:
كيف يمكن لشعب موزع جغرافياً أن ينتج سلطة سياسية موحدة؟
هنا تبدأ الأزمة التي ستظهر بصورة أكبر لاحقاً.
ثالثاً: فلسطيني الـ48 وإشكالية التمثيل
الفلسطيني الذي بقي داخل حدود إسرائيل بعد عام 1948 عاش تجربة تاريخية مختلفة عن الفلسطيني الذي أصبح لاجئاً أو عاش تحت الاحتلال في الضفة وغزة بعد عام 1967.
لقد أصبح جزءاً من بنية سياسية إسرائيلية، لكنه حافظ في الوقت نفسه على ذاكرة وطنية فلسطينية.
وهنا نشأت حالة يمكن وصفها سوسيولوجياً بأنها ازدواجية المجال السياسي:
هو فلسطيني في انتمائه القومي والتاريخي، لكنه يعيش داخل نظام سياسي إسرائيلي.
وهذه الحالة أنتجت أسئلة معقدة حول المواطنة والهوية والتمثيل.
فهل الفلسطيني في الداخل جزء من الشعب الفلسطيني سياسياً فقط؟
أم أنه جزء من الشعب الفلسطيني اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً، بينما له مواطنة إسرائيلية في المجال القانوني؟
إن الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى أخطاء منهجية.
فالهوية القومية ليست بالضرورة مساوية للمواطنة القانونية، والمواطنة ليست بالضرورة مساوية للسيادة، والسيادة ليست بالضرورة مساوية للملكية الفردية للأرض.
رابعاً: من فلسطين التاريخية إلى فلسطين 1967
هنا تقع نقطة التحول الكبرى.
عندما انتقلت منظمة التحرير تدريجياً إلى قبول فكرة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تغير المعنى السياسي للإقليم.
لم تعد فلسطين في المشروع السياسي الرسمي هي بالضرورة المجال نفسه الذي كانت تشير إليه أدبيات التحرير الأولى.
أصبحت هناك فلسطين سياسية مرتبطة بصورة متزايدة بأراضي 1967.
وهنا ظهر سؤال لم تتم الإجابة عنه بصورة كافية:
ماذا عن الفلسطيني الذي تقع أرضه الأصلية داخل أراضي 1948؟
إذا كان المشروع السياسي هو دولة فلسطينية في الضفة وغزة، فإن الفلسطيني الذي تعود جذور عائلته إلى حيفا أو عكا أو يافا أو صفد قد يشعر بأن مشروع الدولة الجديد لا يعيد له أرضه الأصلية.
ومن هنا يظهر الفرق بين:
فلسطين بوصفها وطناً تاريخياً، وفلسطين بوصفها مشروع دولة.
وهما ليسا بالضرورة الشيء نفسه.
خامساً: الاعتراف بقرار التقسيم 181 وإشكالية الشرعية
يُثار هنا سؤال بالغ الحساسية:
إذا قبل الفلسطينيون أو ممثلهم السياسي بإطار التقسيم، فهل يعني ذلك التخلي عن المطالبة بكل فلسطين؟
الجواب لا يمكن أن يكون بنعم أو لا بصورة مجردة.
فالاعتراف السياسي بقرار أو إطار دولي لا يعني بالضرورة أن كل فرد فلسطيني أصبح متنازلاً عن كل حق تاريخي أو فردي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتراف السياسي إلى أساس لإعادة تعريف الذاكرة الوطنية بأكملها.
فقرار 181 كان قراراً أممياً يقترح تقسيم فلسطين، وليس عقداً ملكياً بسيطاً ينقل ملكية الأرض من جماعة إلى جماعة.
لذلك يجب التفريق بين:
القبول السياسي بتسوية تاريخية، وبين الملكية الفردية للأرض، وبين حق الشعب في تقرير المصير.
وهذه ثلاثة مستويات مختلفة.
سادساً: هل يملك فلسطيني الـ48 حق المطالبة بالضفة؟
هنا يجب أن نتحرر من التفكير الثنائي.
ليس صحيحاً أن فلسطيني الـ48، لمجرد كونه فلسطينياً، يصبح مالكاً لكل أرض في الضفة.
وفي المقابل، ليس صحيحاً أن الفلسطيني الذي يعيش في الضفة وحده يمتلك الحق في تقرير مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها.
فالحق في تقرير المصير حق جماعي، بينما الملكية قد تكون فردية، والسيادة حق سياسي، والهوية انتماء تاريخي وثقافي.
وهذه المستويات لا يجوز دمجها.
لذلك يمكن القول:
فلسطيني الـ48 لا يحتاج إلى أن يكون صاحب أرض في الضفة حتى يكون جزءاً من الشعب الفلسطيني، لكنه يحتاج إلى تمثيل سياسي عندما تُتخذ قرارات باسم الشعب الفلسطيني كله.
وهذه نقطة جوهرية.
سابعاً: أوسلو وإعادة إنتاج الانقسام بين الشعب والإقليم
أوسلو أنتج تحولاً تاريخياً من نوع آخر.
فمنظمة التحرير بقيت تمثل الفلسطينيين على المستوى الوطني والدولي، بينما نشأت السلطة الفلسطينية بوصفها سلطة انتقالية ذات اختصاص إقليمي في الضفة وغزة.
وهنا أصبح لدينا مستويان:
منظمة التحرير = تمثيل الشعب الفلسطيني.
السلطة الفلسطينية = إدارة إقليم فلسطيني محدد.
لكن المشكلة السياسية ظهرت عندما أصبح الخطاب العام يخلط بين الاثنين.
فهل السلطة هي الدولة؟
وهل منظمة التحرير هي السلطة؟
وهل المجلس الوطني يمثل كل الفلسطينيين؟
وهل المؤسسات المنتخبة في الضفة وغزة تمثل فلسطينيي الداخل والشتات؟
هذه الأسئلة لا تزال من أكثر الأسئلة حساسية في النظام السياسي الفلسطيني.
ثامناً: الأزمة السوسيولوجية: الفلسطيني المجزأ
من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن وصف الحالة الفلسطينية بأنها حالة تفكك جغرافي مع استمرار الوحدة الرمزية.
هناك:
فلسطيني الداخل.
فلسطيني الضفة.
فلسطيني غزة.
اللاجئون.
الشتات.
لكن هذه الجماعات لا تعيش الظروف الاجتماعية والسياسية نفسها.
فالفلسطيني في الداخل يواجه أسئلة المواطنة والهوية.
والفلسطيني في الضفة يواجه الاحتلال والاستيطان والحواجز.
والفلسطيني في غزة عاش تجربة الحصار والحروب.
واللاجئ يعيش مع سؤال العودة.
والشتات يعيش مع سؤال الانتماء والمسافة عن الوطن.
وبالتالي فإن كلمة «الفلسطيني» تخفي وراءها تجارب اجتماعية مختلفة.
وهذا يعني أن بناء مشروع سياسي موحد يتطلب الاعتراف بهذا التعدد، لا إنكاره.
تاسعاً: البعد السيكولوجي – جرح المكان
على المستوى النفسي، يمكن فهم القضية الفلسطينية باعتبارها أيضاً صراعاً على الذاكرة.
فالنكبة لم تكن حدثاً سياسياً فقط؛ لقد تحولت إلى ذاكرة جمعية.
والقرية التي دُمرت لم تختفِ من الوعي.
والبيت الذي فقده اللاجئ لم يتحول إلى مجرد عنوان تاريخي.
وهنا يظهر مفهوم الحنين السياسي.
إن الإنسان عندما يفقد المكان، قد يحوله في وعيه إلى رمز.
ولهذا فإن العودة ليست دائماً مجرد عودة جسدية إلى منزل محدد؛ إنها أحياناً استعادة لمعنى الوجود.
ومن هنا يمكن تفسير استمرار قوة قضية اللاجئين رغم مرور عقود طويلة.
عاشراً: الاغتراب السياسي
يمكن توظيف مفهوم ماركس عن الاغتراب بصورة موسعة لفهم الحالة الفلسطينية.
فالاغتراب لا يعني فقط انفصال الإنسان عن عمله أو إنتاجه؛ يمكن أن يصبح أيضاً اغتراباً عن القرار السياسي.
الفلسطيني الذي يرى أن القرارات المصيرية تُتخذ باسمه من دون أن يشارك فيها قد يشعر بأنه مغترب عن القضية التي يفترض أنها قضيته.
وهنا تظهر ظاهرة خطيرة:
أن يصبح الفلسطيني موضوعاً للسياسة بدلاً من أن يكون فاعلاً فيها.
وهذه المسألة لا تخص فلسطينيي الـ48 وحدهم.
بل تشمل أيضاً اللاجئين والشتات، وربما قطاعات واسعة من الفلسطينيين داخل الضفة وغزة.
الحادي عشر: فوكو والسلطة والتمثيل
إذا استخدمنا فوكو، فإن السؤال يصبح:
من يمتلك سلطة إنتاج الخطاب الفلسطيني؟
من يحدد:
ما هي فلسطين؟
من هو الفلسطيني؟
ما حدود الحق؟
من يمثل الشعب؟
ما الذي يعتبر تنازلاً؟
وما الذي يعتبر تسوية؟
إن السلطة السياسية لا تعمل فقط بالقوة؛ إنها تعمل أيضاً من خلال إنتاج الحقيقة والخطاب.
ومن هنا تصبح السيطرة على تعريف القضية شكلاً من أشكال السلطة.
فمن يملك حق تعريف فلسطين يمتلك جانباً مهماً من القدرة على تعريف المستقبل الفلسطيني.
الثاني عشر: هيغل والاعتراف
أما من منظور هيغل، فإن الهوية لا تكتمل في عزلة، بل تحتاج إلى الاعتراف.
وهنا يمكن طرح السؤال:
هل حصلت مختلف مكونات الشعب الفلسطيني على الاعتراف المتبادل؟
هل اعترف فلسطيني الضفة بحقوق فلسطيني الداخل؟
وهل اعترف فلسطيني الداخل بحق الفلسطيني في الضفة في تقرير مصيره؟
وهل اعترف الداخل السياسي الفلسطيني بحق اللاجئ في أن يكون جزءاً من صناعة القرار؟
إذا لم يحدث هذا الاعتراف المتبادل، فإن الوحدة الوطنية تصبح شعاراً أكثر منها واقعاً.
لذلك فإن الوحدة ليست مجرد وحدة خطاب؛ إنها وحدة اعتراف.
الثالث عشر: أزمة الشرعية
الشرعية السياسية لا تأتي فقط من التاريخ.
ولا تأتي فقط من الثورة.
ولا تأتي فقط من الانتخابات.
بل تحتاج إلى استمرار العلاقة بين الممثل والمُمثَّل.
إذا تغيرت طبيعة القضية، وتغيرت الجغرافيا السياسية، وتغيرت الأجيال، وتغيرت الظروف، فإن أدوات التمثيل تحتاج هي الأخرى إلى إعادة بناء.
وهنا تبرز أزمة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية معاً:
هل البنية التمثيلية الحالية ما زالت قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته؟
هذا سؤال مشروع، ولا ينبغي اعتباره تشكيكاً في الوطنية.
بل على العكس؛ قد يكون إعادة بناء التمثيل هي الطريق إلى حماية الوحدة الوطنية.
الرابع عشر: من يمتلك فلسطين؟
السؤال «من يمتلك فلسطين؟» يحتاج إلى تفكيك.
إذا كان المقصود الملكية الفردية، فهناك أصحاب أراضٍ وحقوق ملكية محددة.
وإذا كان المقصود السيادة، فالسؤال يتعلق بالشعب وحقه في تقرير المصير.
وإذا كان المقصود الهوية، فإن فلسطين ليست ملكاً لفئة جغرافية دون أخرى.
وإذا كان المقصود القرار السياسي، فإن المسألة تتعلق بالتمثيل والشرعية.
لذلك فإن الخطأ المنهجي هو أن نحول:
الملكية إلى هوية، والهوية إلى سيادة، والسيادة إلى ملكية.
هذه مفاهيم مختلفة.
الخامس عشر: نحو مفهوم جديد للشعب الفلسطيني
ربما تحتاج القضية الفلسطينية إلى الانتقال من مفهوم الشعب المتجانس إلى مفهوم الشعب المتعدد المواقع.
فالفلسطينيون ليسوا متشابهين في ظروفهم الاجتماعية والسياسية، لكنهم يشتركون في تاريخ وذاكرة وهوية.
وبالتالي فإن المشروع الوطني الجديد يجب ألا يطلب من فلسطيني الداخل أن يصبح من سكان الضفة حتى يكون فلسطينياً، ولا من اللاجئ أن يتخلى عن حقه في العودة حتى يكون جزءاً من الدولة، ولا من الفلسطيني في الضفة أن يتخلى عن حقه في تقرير مصيره.
بل المطلوب هو بناء صيغة سياسية تستطيع الجمع بين:
الهوية، والحقوق الفردية، والحقوق الجماعية، وتقرير المصير، والعدالة، والتمثيل.
السادس عشر: نحو إعادة بناء منظمة التحرير
إذا كانت منظمة التحرير قد نشأت لتمثيل الشعب الفلسطيني، فإن إعادة بناء مؤسساتها على أساس تمثيل كل التجمعات الفلسطينية تصبح مسألة استراتيجية.
وهذا يعني التفكير في تمثيل حقيقي لـ:
فلسطينيي الداخل، والضفة، وغزة، واللاجئين، والشتات.
ليس بالضرورة عبر نموذج سياسي واحد، وإنما عبر صيغة تضمن أن القرارات الكبرى المتعلقة بمصير الشعب الفلسطيني لا تُتخذ من قبل جزء من الشعب بمعزل عن بقية أجزائه.
وهنا تصبح الديمقراطية الوطنية أوسع من الانتخابات المحلية.
إنها ديمقراطية الشعب الفلسطيني أينما وجد.
السابع عشر: الخلاصة الفلسفية
إن القضية الفلسطينية، في عمقها، ليست فقط قضية أرض.
إنها قضية وجود واعتراف وتمثيل وذاكرة.
وفلسطيني الـ48 لا يفقد فلسطينيته لأنه يعيش داخل دولة إسرائيل، كما أن الفلسطيني في الضفة لا يفقد حقه في تقرير مصيره لأنه لا يعيش في حيفا، كما أن اللاجئ لا يفقد علاقته بفلسطين لأن حياته امتدت خارجها عقوداً.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الاختلاف الجغرافي إلى اختلاف في القيمة السياسية.
ومن هنا فإن المطلوب ليس إقامة صراع بين فلسطينيي الـ48 وفلسطينيي الـ67، ولا بين الداخل والشتات، وإنما إعادة بناء المفهوم الفلسطيني بحيث يصبح قادراً على استيعاب الجميع.
إن فلسطين ليست فقط جغرافيا.
إنها ذاكرة جمعية، ووجود تاريخي، وهوية سياسية، ومجال للحق، ومشروع للمستقبل.
ولهذا فإن السؤال المركزي الذي ينبغي أن يحكم المرحلة القادمة هو:
هل نريد دولة فلسطينية تختزل الشعب الفلسطيني، أم نريد دولة فلسطينية تكون إحدى أدوات التعبير عن شعب فلسطيني أوسع منها جغرافياً وتاريخياً؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الدولة والشعب.
الدولة لها إقليم.
أما الشعب فقد يتجاوز الإقليم.
وهنا تكمن المعضلة الفلسطينية الكبرى.
خاتمة: نحو فلسفة شقباوية للتمثيل الفلسطيني
يمكن، في إطار ما أسميه المنهج الشقباوي، بناء قاعدة فلسفية جديدة تقول:
لا يجوز اختزال الشعب في الإقليم، ولا اختزال الإقليم في السلطة، ولا اختزال الهوية في المواطنة، ولا اختزال التاريخ في التسوية السياسية.
فالإنسان الفلسطيني سابق، من حيث الوجود التاريخي والهوية، على البنى السياسية التي جاءت لاحقاً.
ومن ثم فإن أي مشروع فلسطيني مستقبلي يحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين:
الإنسان الفلسطيني – الأرض – الذاكرة – الشعب – الدولة – التمثيل.
وعندما نعيد ترتيب هذه المفاهيم، يصبح واضحاً أن أزمة فلسطين ليست فقط في فقدان الأرض، وإنما أيضاً في من يملك حق الكلام باسم الأرض ومن يملك حق الكلام باسم الشعب.
وهنا تصبح إعادة بناء التمثيل الفلسطيني ليست ترفاً سياسياً، وإنما ضرورة وجودية.
ففلسطين لا تحتاج فقط إلى دولة؛ إنها تحتاج قبل الدولة إلى إعادة بناء ذاتها السياسية.