جاري التحميل...

الجزائر واستراتيجية الدفاع عن الوطن والسيادة

اللواء الركن المظلي د.صالح الشقباوي
محلل عسكري وخبير استراتيجي

إن الجزائر، وهي الدولة التي خرجت من رحم ثورة تحريرية كبرى، لا تنظر إلى أمنها الوطني باعتباره مسألة عسكرية فحسب، بل باعتباره قضية وجود وسيادة وذاكرة وطنية. فمن أرضٍ دفعت ثمناً باهظاً من الدم والدموع حتى تستعيد حريتها، نشأت قناعة راسخة بأن استقلال الجزائر ليس منحةً من أحد، وأن حماية التراب الوطني مسؤولية تاريخية لا تقبل التهاون.
لقد تشكلت في الوعي الجزائري نواة صلبة من الإرادة الوطنية أقسمت، في وجدانها السياسي والعسكري والشعبي، ألّا تعود الجزائر إلى زمن الاحتلال، وألّا يسمح التاريخ بأن تتكرر المأساة الاستعمارية على أرضها. وهذه الإرادة لا تعني البحث عن الحرب، وإنما تعني امتلاك القدرة التي تجعل قرار الحرب والسلام قراراً وطنياً مستقلاً.
القوة العسكرية بوصفها قوة ردع
في هذا السياق، عملت الجزائر على بناء منظومة دفاعية متطورة، تقوم على امتلاك قدرات عسكرية متنوعة تشمل الطائرات المقاتلة، والدفاعات الجوية، والغواصات، والدبابات، والصواريخ، ووسائل الاستطلاع والمراقبة، إلى جانب تطوير الخبرات البشرية والجاهزية العملياتية.
لكن امتلاك هذه الأسلحة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشروعاً للعدوان أو تهديداً لدول الجوار. القوة الجزائرية، في جوهرها، قوة ردع ودفاع وحماية للسيادة الوطنية. فالدولة التي عرفت الاحتلال أكثر من قرن تدرك أن السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه، وأن أفضل وسيلة لمنع الحرب أحياناً هي امتلاك القدرة الكافية على ردع من يفكر في فرضها.
إن الجزائر لا تحتاج إلى التوسع خارج حدودها، ولا تبحث عن أراضٍ جديدة، ولا تحمل مشروعاً استعمارياً. حدودها هي حدود وطنها، وجيشها موجود لحماية هذه الحدود، والدفاع عن الشعب، وصيانة استقلال القرار الوطني.
الجزائر: بلد أمن وسلام
والجزائر، في علاقتها بجيرانها، بلدٌ يؤمن بحسن الجوار وبالاحترام المتبادل وبالتعاون العربي والأفريقي. وهي تنتمي إلى فضاء جغرافي وحضاري يجعل أمنها مرتبطاً بأمن محيطها، ولذلك فإن استقرار شمال أفريقيا والساحل والصحراء ليس قضيةً هامشية بالنسبة إليها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الجزائر الاستراتيجية في القارة الأفريقية. فهي لا تنظر إلى أفريقيا باعتبارها ساحة نفوذ، وإنما باعتبارها فضاءً يجب أن تتحرر دوله من كل أشكال التبعية والاستغلال والتدخل الخارجي.
إن الدفاع عن أفريقيا لا يعني الدخول في حروب الآخرين، بل يعني الدفاع عن حق الأفارقة في تقرير مصيرهم، ورفض عودة المنظومات الاستعمارية بأشكال جديدة؛ سواء جاءت في صورة احتلال مباشر، أو وصاية سياسية، أو استغلال اقتصادي، أو تدخل يهدف إلى مصادرة القرار الوطني للدول الأفريقية.
من الثورة إلى الدولة
لقد انتقلت الجزائر من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، لكنها لم تتخلَّ عن المعنى العميق للثورة: الحرية، والسيادة، والاستقلال، ورفض الهيمنة الأجنبية.
ولهذا فإن القوة العسكرية الجزائرية يجب أن تُفهم في إطار عقيدة دفاعية أساسها حماية الإقليم، وحماية الشعب، وحماية الدولة، والحفاظ على استقلال القرار الوطني.
فالجزائر لا تريد أن تكون قوةً إمبراطورية، وإنما تريد أن تكون قوةً سيادية قادرة على حماية نفسها.
وهنا تكمن فلسفة القوة الجزائرية: أن تمتلك الدولة ما يكفي من القوة حتى لا تضطر إلى استعمالها، وأن يكون جيشها قوياً بما يكفي ليجعل التفكير في الاعتداء على الجزائر أمراً بالغ الكلفة، وأن يكون السلام خياراً نابعاً من القدرة وليس من العجز.
الجزائر لا تهدد أحداً… لكنها لا تسمح لأحد بتهديدها
إن الجزائر، بتاريخها وثورتها وشعبها وجيشها، لا تحمل مشروعاً عدوانياً تجاه أحد. وهي تحب جيرانها، وتحترم أشقاءها العرب والأفارقة، وتدعو إلى الحوار والتعاون وحل النزاعات بالطرق السلمية.
لكن السلام الجزائري ليس سلاماً ساذجاً.
إنه سلام دولة تعرف تاريخها، وتعرف جغرافيتها، وتعرف قيمة استقلالها.
ولهذا فإن امتلاك الصواريخ والطائرات والغواصات والدبابات والمنظومات الدفاعية المتطورة ليس إعلاناً للحرب، وإنما إعلان واضح بأن الجزائر قادرة على حماية نفسها، وأن سيادتها ليست مجالاً للمساومة، وأن أرض الشهداء لن تكون مرة أخرى أرضاً مفتوحة لأي مشروع احتلال أو هيمنة.
وفي النهاية، تبقى الجزائر كما أرادها شهداؤها: حرة، مستقلة، سيدة قرارها، محبة للسلام، قوية في الدفاع عن وطنها، وركيزةً استراتيجية في أفريقيا والعالم العربي.
إن رسالة الجزائر إلى العالم بسيطة وعميقة:
نحن لا نريد الحرب مع أحد، ولا نطمع في أرض أحد، ولا نهدد أحداً؛ لكننا أقسمنا أن نحمي الجزائر، وأن نحفظ استقلالها، وأن لا نسمح للتاريخ بأن يعيد نفسه.