جاري التحميل...

الديمقراطية بين المثال الأخلاقي والانحرافات المعاصرة:

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين.

 

منذ أن بزغ فجر الديمقراطية في أثينا القديمة، ظلّت الفكرة تتطوّر وتتشعّب، حتى غدت في عصرنا الراهن من أعقد الظواهر السياسية وأكثرها إثارة للجدل. فهي لم تعد مجرّد آلية لإدارة الحكم أو تداول السلطة، بل صارت ثقافة سياسية وأخلاقية عابرة للحدود، تُستدعى عند الحديث عن العدالة، والحرية، وحقوق الإنسان. غير أنّ هذا الاتساع الذي أصاب المفهوم جعل الديمقراطية عرضة للتحريف والتوظيف النفعي، بحيث باتت بعض الممارسات تُرفع تحت رايتها، بينما هي في جوهرها تناقض مقاصدها الأولى وتتصادم مع المعايير الأخلاقية الإنسانية.
ومن هنا تأتي ضرورة إعادة التفكير في الديمقراطية الحديثة، والكشف عن حدودها، وعلاقتها بالقيم والمعايير الأخلاقية، وكيف تعاملت التيارات الفلسفية والفكرية المختلفة ـ من ماو تسي تونغ إلى كارل ماركس ولينين وماكيافيللي ـ مع إشكالية الدمج بين السلطة والسياسة والأخلاق.

تطوّرت فكرة الديمقراطية منذ العهد اليوناني القديم حتى عصرنا الحالي، وبدأت تأخذ أبعاداً جديدة تبعاً للظروف والمستجدات في مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم. ففي حديثنا حول (الديمقراطية Democracy) باليونانية (δημοκρατία dēmokratía) نجد أنّها في عهدها اليوناني تجسّد معناها في “حكم الشعب”، وتُعد شكلاً من أشكال الحكم التي يشارك فيها جميع مواطني الدولة المؤهّلين بالتساوي ودون تفرقة، أو من خلال ممثلين عنهم يتم انتخابهم عن طريق صناديق الاقتراع. وهي تعمل على تطوير واستحداث القوانين والتشريعات الناظمة في القضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بما يمكّن المواطنين من الممارسة الحرّة والمتساوية بينهم دون تمييز، لتقرير مصيرهم السياسي.

إنّها في نهاية المطاف تعبير عن نظام الحكم في دولة ديمقراطية، ووصف لثقافة مجتمع سياسيّة وأخلاقية معيّنة لها تجلياتها الخاصة، من أهمها تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية. وقد نشأ هذا المفهوم في أثينا قديماً كما بيّنا آنفاً. أمّا الآن فقد برز ما يُعرَف بـ “الديمقراطية الجديدة” أو “الثورة الديمقراطية الجديدة”، وهو مفهوم يستند إلى القضايا الاجتماعية، كما يستند إلى نظرية الطبقات الاجتماعية الأربع التي ابتكرها مؤسّس جمهورية الصين الشعبية الرئيس الصيني الراحل (ماو تسي تونغ Mao Zedong) (١٨٩٣ ـ ١٩٧٩م)، الذي شكّلت أفكاره ما يُعرَف بـ “الماوية”.

وكان له الفضل في إطلاق هذا المفهوم بعد الثورة الصينية، التي أكّدت أنّ الديمقراطية في جمهورية الصين الشعبية ستسلك مساراً خاصاً مميّزاً عن أي دولة أخرى. ورأى ماو أنّ هذه المفاهيم يمكن أن تتبنّاها دول العالم الثالث كلٌّ بطريقته الخاصة نحو الديمقراطية، نظراً لظروفها الاجتماعية والثقافية والمادية. وقد وصف ماو الديمقراطية التمثيلية في الدول الغربية بأنّها “ديمقراطية قديمة” تعود إلى الحضارة اليونانية، واعتبر النظام البرلماني الغربي مجرد أداة لتعزيز دكتاتورية الطبقة البرجوازية المالكة لرؤوس الأموال والقدرة على الإنتاج والسيطرة على المجتمع ومؤسسات الدولة. كما اعتبر أنّ “الديمقراطية الجديدة” التي طرحها تتعارض مع ديكتاتورية النمط السوفيتي السابق للطبقة العاملة، التي افترض أنّها ستكون البنية السياسية والثقافية المهيمنة في عالم ما بعد الرأسمالية.

لقد كان ماو يهدف من خلال أفكاره إلى تأسيس “صين جديدة” متحرّرة من الإقطاع وملكية الأراضي والإمبريالية اليابانية. وكان مفهوم “الديمقراطية الجديدة” يسعى إلى الإطاحة بالإقطاع وسلطته، وتحقيق الاستقلال عن الاستعمار. غير أنّه يتعارض مع ما تنبأ به الفيلسوف وعالم الاقتصاد الألماني (كارل ماركس Karl Marx) (١٨١٨ ـ ١٨٨٣م) من أنّ الطبقة الرأسمالية ستُنتِج صراعاً يؤدي عادةً إلى الانتقال مباشرةً نحو الاشتراكية عبر تحالف بين الطبقات الاجتماعية تحت قيادة الطبقة العاملة وأحزابها الشيوعية، من أجل إقامة “نظام ديمقراطي جديد”. وهو الرأي الذي شاركه فيه زعيم الثورة البلشفية (فلاديمير لينين Vladimir Lenin) (١٨٧٠ ـ ١٩٢٤م).

وفي سياق آخر، هناك خطر كبير يُهدِّد الديمقراطية الحديثة، بل وخطر أكبر يُهدّد الأخلاق الإنسانية ومستقبل البشرية جمعاء، نتيجة المبالغة في تفسير المبادئ الديمقراطية أو استغلالها لتحقيق أهداف تتنافى مع جوهرها. فالمغزى الأساسي من الديمقراطية هو التعبير عن إرادة المواطنين، وصناعة قوانين تحقق لهم المصلحة والأمن والاستقرار، ضمن ضوابط تحدّدها العقود الوطنية والشرائع السماوية.

غير أنّ بعض التشريعات الغربية خرجت عن هذا الإطار بحجة التطوّر، مثل تشريع زواج المثليين الذي يتعارض مع فلسفة القانون ومفاهيم الأديان السماوية. وهنا يستحضر المفكرون آراء الفيلسوف البريطاني (جون أوستن John Austin) صاحب “نظرية الأمر في القانون”، التي تؤكد العلاقة الوثيقة بين القانون والأخلاق. وكذلك رأي الفيلسوف الأمريكي (مايكل والزر Michael Walzer) الذي قال: “لا يجوز اعتبار كل ما يُشرَّع بقانون حقاً”.

كما أنّ المفكر السياسي الإيطالي (نيكولو ماكيافيللي Niccolò Machiavelli) (١٤٦٩ ـ ١٥٢٧م) ـ رغم براغماتيته ـ لم يُجز اعتماد أي وسيلة للوصول إلى الغاية، بل شدّد على ضرورة الالتزام بالأخلاق العامة. وحتى القياصرة الروس قبل ١٩١٧م، رغم استبدادهم، لم يتجاوزوا حدود الكرامة الإنسانية في تمييزهم بين ما هو لله وما هو للقيصر.

إنّ فقهاء السياسة يتفقون على أنّ قيادة الناس لا تُمارَس بنجاح دون الالتزام بمعايير الأخلاق. فالأخلاق في السياسة تتجلّى في النزاهة والاستقامة والتجرّد للمصلحة العامة. ولكن بعض الممارسات الديمقراطية الحديثة تحوّلت إلى “مقاولات سياسية” بعيدة عن الأخلاق، في حين أنّ السياسة في جوهرها من أشرف المهن، لأنها تعني قيادة المواطنين.

ولا يمكن إنكار أنّ “الديمقراطية الحديثة” التي جاءت مع الجمهورية الهلفيتية (١٧٩٨ ـ ١٨٠٣م) قد أسّست للاستقرار السياسي وأسهمت في تطوير الأنظمة والقوانين وتشجيع العلوم والثقافة، خصوصاً في الدول الغربية. غير أنّه لا يمكن الادعاء بأنّ الديمقراطية قادرة على معالجة جميع ظواهر الحياة البشرية أو تحدي قوانين الطبيعة.

فما يمكن التسليم به في الاقتصاد والسياسة لا ينطبق على أسرار الطبيعة، التي تبقى عصية على الإنسان مهما بلغ من معرفة. وقد أخفقت فكرة “المادية التاريخية” التي أسّس لها ماركس في الصمود طويلاً، وذبلت مع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩٠م.

إنّ الحفاظ على الطبيعة ليس مطلباً دينياً فحسب، بل ضرورة إنسانية، وتجاوز “حدود الطبيعة” فيه تهديد لمستقبل البشرية جمعاء، وربما يرتدّ وبالاً على أشدّ المطالبين به.