جاري التحميل...

الثقافة وعلم الاجتماع الثقافي: بين جدل المعنى وسوسيولوجيا الانتماء:

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

من بين المفاهيم الأكثر ثراءً وتعقيدًا في الفكر الإنساني يبرز مفهوم الثقافة؛ إذ لم يعرف علم من علوم الإنسان كلمةً أُشبِعت تعريفًا وتأويلاً كما عُرفت الثقافة، حتى غدت مرآةً متعددة الأوجه تعكس تنوع التجارب البشرية وتعقّدها. فهي ليست مجرّد حاضنة للأدب والفنون كما يُشاع في الوعي الشعبي العربي، بل شبكة رمزية ومعنوية ومادية في آنٍ معًا، تنظم طرق التفكير والشعور والسلوك، وتشكل الذاكرة الجمعية والهويات الفردية والجماعية. ومن هنا جاء علم الاجتماع الثقافي ليمنح هذا المفهوم بعدًا علميًا منهجيًا، متتبعًا كيفيات إنتاج المعنى، وانتقال الرموز، وتجليات القيم في الأطر الاجتماعية.
لقد رأى إميل دوركهايم في الثقافة قوة توحيدية تمنح الأفراد هوية مشتركة، بينما اعتبرها كارل ماركس أداة قد توظَّف للحفاظ على اللامساواة، في حين كشف ريموند ويليامز عن صعوبة الإحاطة بها نظرًا لتشابكها الدلالي. ومن خلال هذه الجدلية، يصبح علم الاجتماع الثقافي مجالاً خصبًا لتفكيك العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين الإبداع والهيمنة، وبين الأصالة والعولمة.
إنّ إعادة طرح مفهوم الثقافة اليوم ضرورة ملحّة أمام تحديات العولمة الثقافية التي تذيب الخصوصيات وتخلق اغترابًا رمزيًا عن الجذور، في مقابل الحاجة إلى إبداع ينهل من التراث ليواجه استلاب الحاضر. من هنا، تكتسب دراسة الثقافة وعلم الاجتماع الثقافي أهميتها القصوى، بوصفها مدخلاً لفهم الذات الإنسانية في بعدها الكوني والمحلي على السواء، وبوصفها مفتاحًا لإعادة بناء المجتمع على أسس المعنى والانتماء.
لم يتوقف علماء الاجتماع يومًا عن البحث في مدلول ومفهوم علم الاجتماع الثقافي (Cultural Sociology)، وذلك لأن الثقافة سمة أساسية من سمات العلوم الإنسانية، ولكل علم منها تعريفه الخاص للثقافة، بما في ذلك علم الاجتماع الثقافي الذي يدرس بعمق الثقافة التي تلائم حاجات الإنسان. ولعل هذا ما جعل مصطلح الثقافة يحوز على أكثر من مئةٍ وستين تعريفًا.
ومن أشهر هذه التعريفات ما وضعه عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي السير إدوارد بيرنت تايلور (Edward Burnett Tylor) (1832–1917)، مؤسس علم الأنثروبولوجيا الثقافية، في كتابه الثقافة البدائية (1871) وكتابه الأنثروبولوجيا (1881)، حيث عرّف الثقافة أو الحضارة بالمعنى الإثنوغرافي الواسع بأنها:
“كلّ مركّب يشتمل على المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد، وكل القابليات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع معيّن.”
كما قدّم عالم الاجتماع الكندي غي روشيه (Guy Rocher) تعريفًا للثقافة بوصفها:
“مجموعة من العناصر المرتبطة بطرق التفكير والشعور والفعل، والمصاغة في قواعد واضحة، والتي يكتسبها الأفراد ويتعلمونها ويشاركون فيها موضوعيًا ورمزيًا، لتشكيل جماعة خاصة ومتميزة.”
يتضح من ذلك أن علم الاجتماع الثقافي حقل خصب لدراسة الثقافة البشرية كفرع مستقل من فروع علم الاجتماع، شأنه شأن علوم أخرى اتصلت به. وتختلف الثقافات باختلاف الجغرافيات والحضارات وتنوع الموروثات، مما يجعلها غير قابلة للحصر. وهذا العلم، إلى جانب العلوم الأخرى المهتمة بالثقافة، يساهم في كشف المفاهيم والرموز الإنسانية وتجلياتها في السلوكيات والمظاهر الاجتماعية.
ورغم أن المفهوم الشائع للثقافة في المجتمعات العربية يحصرها في الأدب والفنون والموسيقى، فإن علماء الاجتماع يرونها أوسع من ذلك بكثير، إذ تشمل كل ما يوجد في المجتمعات الإنسانية ويتم توارثه اجتماعيًا عبر الأجيال. ومن هنا فإن صياغة تعريف جامع مانع للثقافة أمر بالغ الصعوبة، نظرًا لتعقّد المفهوم وتشابك عناصره.
وقد أشار ريموند ويليامز (Raymond Williams)، المنظّر الماركسي والأكاديمي البريطاني، إلى هذا التعقيد بقوله:
“تمنيت لو أنني لم أسمع بهذه المفردة قط؛ فكلمة ثقافة من أكثر الكلمات تشابكًا وتعقيدًا.”
كما أحصى ألفريد كروبر (A.L. Kroeber) وكلايد كلوكهون (C. Kluckhohn) أكثر من 160 تعريفًا للثقافة، وعرّفاها بأنها: “أنماط كامنة وظاهرة من السلوك الإنساني المكتسب والمنتقل عبر الرموز، وهي الإنجاز الخاص والمميز للجماعات الإنسانية، والذي يتجلى في موضوعات ومنتجات متعددة. أما جوهر الثقافة فهو الأفكار التقليدية والقيم التي تكونت عبر التاريخ.”
ويرى إميل دوركهايم (Emile Durkheim) أن الثقافة، بمكوناتها المادية وغير المادية، توحّد المجتمع وتوفر له المبادئ والقيم والمعتقدات التي تمنح الأفراد إحساسًا بالانتماء والهوية المشتركة، سواء عبر الطقوس الدينية أو المناسبات العامة.
أما كارل ماركس (Karl Marx) فقد أسس المنهج النقدي للثقافة، معتبرًا أن القيم والمبادئ السائدة قد تكون أداة للحفاظ على أنظمة اجتماعية غير متكافئة تفيد الأقلية على حساب الأغلبية.
وهكذا، يمكن للثقافة أن تكون أداة للهيمنة والقمع كما يمكن أن تكون قوة للإبداع والتحرر والمقاومة. وهي عنصر أساسي في تشكيل المجتمع وبقائه.
وقد انقسم علماء الاجتماع في النظر إلى الثقافة:
فريق يرى فيها متغيرًا مستقلًا يؤثر في المجتمع تغييرًا إيجابيًا أو سلبيًا.
وفريق يعتبرها متغيرًا تابعًا يتأثر بالبناء الاقتصادي للمجتمع.
كما أشار أوغست كونت (Auguste Comte) إلى الثقافة بوصفها نسقًا معرفيًا قائمًا على التجربة والملاحظة، يهدف إلى صياغة قوانين وقواعد ثابتة تحكم الظواهر الاجتماعية.
وفي العصر الحديث، ساهم فلاسفة ومفكرون مثل ميشال فوكو، يورغن هابرماس، بيتر بيرغر، وماري دوغلاس في تطوير منهج التحليل الثقافي، الذي يسعى إلى تقديم فهم أعمق لقضايا ما بعد الحداثة، بعد سقوط النظريات الكبرى التقليدية.
ويعرّف جورج سبيلمان (George Spillman) علم الاجتماع الثقافي بأنه: “العلم الذي يدرس كيفية إنشاء المعنى، وأسباب اختلاف المعاني وتأثيرها على السلوك الإنساني، وأهمية هذه العملية للتلاحم الاجتماعي والسيطرة والمقاومة.”
ومن الصعب الفصل بين الثقافة والمجتمع، إذ لا وجود لأحدهما دون الآخر؛ فاللغة، على سبيل المثال، هي المكوّن الرئيس لأي مجتمع، وهي في الوقت نفسه أحد أهم مكونات الموروث الثقافي. وأي محاولة للفصل بين المفهومين مصيرها الفشل.

وتواجه الثقافة والمجتمع تحديات عديدة، أبرزها العولمة الثقافية التي أضعفت الخصوصيات المحلية، وجعلت العالم يبدو كقرية صغيرة، الأمر الذي أفرز لدى الأفراد شعورًا بالغربة عن مجتمعاتهم الأصلية.