جاري التحميل...

لن يحكمني ملثم… لأن الأوطان تُبنى بالشرعية لا بالأقنعة

كتب : محمود جودت محمود قبها
المناضل المفكر الوزير عبدالعزيز شاهين (ابو علي شاهين)
لم يكن بعض الرجال في التجربة الفلسطينية مجرّد عابرين في دهاليز السلطة أو موظفين في سجلات الدولة بل كانوا مدارس فكرية متحركة تحمل الوطن بوصفه مشروعا أخلاقياً قبل أن يكون جغرافيا ورسالة تاريخية قبل أن يكون حدوداً و أسلاكا ومن بين تلك الشخصيات التي صاغت حضورها في الوعي الوطني بصمت العارفين وصلابة المؤمنين برز ذلك القائد والمفكر والمناضل الذي جمع بين الثورة والإدارة وبين الفكر والميدان وبين الاقتصاد بوصفه علما والتحرر بوصفه قدراً لا يقبل التأجيل.
لقد كان رجلا لا يقيس الأوطان بعدد الوزارات التي يتولاها الإنسان بل بقدرته على أن يجعل من المنصب أداة لحماية الكرامة الوطنية ومن القرار الاقتصادي درعاً للصمود الشعبي ومن العمل العام حالة اشتباك يومي مع الاحتلال والتبعية والانكسار وحين تولّى مسؤولياته في وزارة التموين و وزارة الاقتصاد لم يدخل تلك المواقع بعقلية البيروقراطي البارد بل دخلها بعقلية الفدائي الذي يعرف أن رغيف الخبز في الوطن المحتل ليس تفصيلاً معيشيا وإنما جزء من معركة البقاء وأن الاقتصاد الفلسطيني ليس ملفا ماليا فحسب بل ساحة مواجهة مفتوحة مع مشروع يريد إخضاع الإنسان الفلسطيني وتجريده من قدرته على الصمود والاستمرار.

لقد أدرك مبكراً أن الثورة لا تُبنى بالبندقية وحدها مهما كانت ضرورتها وقداستها وإنما تحتاج إلى وعي جمعي يصوغ الإنسان الفلسطيني الجديد الإنسان القادر على الجمع بين الفكرة والفعل، وبين الانتماء والعمل وبين الوطنية والمعرفة ومن هنا جاءت مساهمته التاريخية في تأسيس الشبيبة الفتحاوية ذلك المشروع الذي لم يكن تنظيماً طلابياً عابراً بل كان مختبرا وطنيا لإنتاج جيل فلسطيني مؤمن بحركة التحرر ممتلئا بروح الانتماء وقادرا على حمل الراية في أصعب الظروف.
لقد فهم أن الجامعات ليست مباني أكاديمية معزولة عن القضية وإنما ساحات اشتباك فكري ووطني وأن الطالب الفلسطيني يجب أن يتحول إلى حاملٍ للوعي الثوري لا مجرد متلقٍ للمعرفة النظرية لذلك جاءت الشبيبة الفتحاوية في رؤيته كامتداد طبيعي لفكرة الثورة المستمرة لا باعتبارها فعلا عسكريا فقط بل باعتبارها مشروعاً حضاريا يواجه محاولات طمس الهوية وتفتيت الوعي وإنتاج الهزيمة النفسية داخل المجتمع الفلسطيني.
ولم يكن تاسيس هذا الإطار عملاً تنظيميا محدودا بل كان فعلاً تاريخياً ساهم في إعادة تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني داخل الجامعات والمخيمات والشارع العام حتى أصبحت الشبيبة مدرسة خرّجت أجيالا من المناضلين والمثقفين والقادة الذين حملوا الفكرة الوطنية في أكثر اللحظات قسوة وتعقيدا.
ولأن العظماء الحقيقيين لا يُقاسون بما يقولونه فقط بل بما يتركونه من أثر فيمن عملوا معهم فقد كانت رحلته المهنية والنضالية مليئة بالرجال الذين تعلّموا منه معنى الانضباط الوطني وأخلاق المسؤولية ومن بين هؤلاء يبرز الاخ جودت محمود قبها،،،، الذي عمل مديراً لمكاتب وزارة التموين و وزارة الاقتصاد في محافظات الوطن و إلى جانبه في مرحلة كانت مليئة بالتحديات السياسية والاقتصادية والوطنية ولم تكن تلك العلاقة مجرد علاقة إدارية بين مسؤول وموظف بل كانت تجربة مهنية ونضالية متكاملة امتزجت فيها المسؤولية الوطنية بروح الالتزام العميق تجاه الناس والوطن.
وقد حظي الاخ جودت محمود قبها بفرصة العمل إلى جانب المناضل والقائد الوطني الراحل أبو علي شاهين خلال مسيرته المهنية في مؤسسات التموين والاقتصاد حيث شكّلت تلك المرحلة محطةً مهمة في تكوين خبرته الإدارية والوطنية وقد أتاح له العمل مع أحد أبرز رموز الحركة الوطنية الفلسطينية الاطلاع المباشر على مدرسة نضالية وفكرية جمعت بين الالتزام الوطني والكفاءة المؤسسية الأمر الذي انعكس على أدائه المهني وإيمانه العميق بدور المؤسسات الوطنية في خدمة الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده.
لقد كان العمل معه مدرسة قائمة بذاتها؛ مدرسة تُعلّم أن المسؤول الحقيقي لا يختبئ خلف المكاتب المغلقة بل ينزل إلى تفاصيل الناس اليومية يشعر بأوجاعهم ويعتبر أن نجاح المؤسسة الوطنية يبدأ من احترام الإنسان الفلسطيني البسيط ومن خلال تلك الرحلة المهنية الطويلة تشكّل نموذج خاص في الإدارة الوطنية نموذج يرى في الوظيفة العامة رسالة أخلاقية لا وسيلة امتياز ويربط بين النزاهة والكفاءة والانتماء بوصفها أركاناً لا تنفصل عن بعضها وقد انعكست تلك القيم بصورة واضحة على كل من عملوا معه حيث ترك فيهم أثراً عميقاً يتجاوز حدود الوظيفة إلى فضاء الوعي الوطني والإنساني.

ولم يكن الرجل أسير المناصب الرسمية أو الألقاب الحكومية بل كان يحمل عقل المفكر الذي ينظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر إنساني شاملة لا مجرد نزاع سياسي محدود لذلك جاءت رؤيته الاقتصادية مرتبطة دائماً بفكرة السيادة الوطنية وكان يؤمن أن الشعب الذي يعتمد اقتصادياً على خصمه يفقد تدريجياً قدرته على القرار الحر ومن هنا خاض معاركه الإدارية والسياسية بعناد المثقف المؤمن بأن الاقتصاد المقاوم جزء لا يتجزأ من مشروع التحرر الوطني.
لقد كان يرى أن حماية السوق الفلسطيني وتعزيز الإنتاج الوطني وبناء المؤسسات الاقتصادية الفلسطينية ليست قضايا فنية بحتة بل أدوات لحماية القرار السياسي الفلسطيني من الابتزاز والتبعية وفي زمنٍ كانت فيه المنطقة العربية تعيش تحولات قاسية وصراعات متشابكة حافظ على وضوح الرؤية فلم يسمح للضجيج السياسي أن يبعده عن البوصلة الأساسية فلسطين أولاً…والإنسان الفلسطيني أولاً….والكرامة الوطنية فوق كل الحسابات الصغيرة.
وكان يمتلك قدرة نادرة على الجمع بين الصلابة الثورية والهدوء الفكري؛ فلا هو انزلق نحو الشعارات الجوفاء التي تستهلك العواطف دون أن تبني وعياً ولا هو استسلم للبراغماتية الباردة التي تفرّغ الوطنية من معناها الأخلاقي بل ظل طوال مسيرته مؤمناً بأن الثورة الحقيقية هي تلك التي تبني الإنسان وتحافظ على كرامته وتمنحه القدرة على الصمود والاستمرار ولذلك كان حضوره في كل موقع يشغله حضوراً مختلفاً؛ حضور رجل يحمل هيبة الفكرة لا صخب السلطة، ويؤمن أن الاحترام الحقيقي يُنتزع بالنزاهة والكفاءة والتضحية لا بالخوف أو النفوذ ولعل أكثر ما ميّزه أنه لم يكن يلهث خلف الأضواء بل كان يعمل بصمت العارفين تاركاً أثره في المؤسسات والعقول والوجدان الوطني حتى أصبح اسمه مرتبطاً في ذاكرة كثيرين بصورة المسؤول الوطني الذي لم يبع قناعاته تحت ضغط السياسة ولم يغيّر جلده وفق تبدّل المصالح والتحالفات.

وفي التجربة الفلسطينية…حيث اختلطت المآسي بالأحلام والانكسارات بمحاولات النهوض تبقى الشخصيات الفكرية الوطنية النزيهة علامات مضيئة في التاريخ الجمعي للشعب الفلسطيني وهذا الرجل كان واحداً من أولئك الذين فهموا باكراً أن الثورة ليست موسماً عاطفياً عابراً بل عملية بناء طويلة وشاقة تحتاج إلى رجال يمتلكون الصبر والرؤية والقدرة على التضحية لذلك ظل حتى لحظاته الأخيرة مؤمناً بأن فلسطين لا تحتاج إلى الخطباء فقط بل إلى بناة وعي ومؤسسات وأجيال قادرة على حمل المشروع الوطني بوعي عميق ومسؤولية أخلاقية وقد ترك خلفه إرثاً لا يُختصر في المناصب التي تقلدها ولا في القرارات التي وقّعها بل في الفكرة التي زرعها في عقول الناس أن الوطنية ليست شعاراً يقال في المناسبات وإنما سلوك يومي والتزام أخلاقي واستعداد دائم لتحمل كلفة الانتماء.

وحين يُستعاد اسمه اليوم لا يُستعاد باعتباره وزيراً سابقاً أو مسؤولاً تاريخياً فقط بل باعتباره نموذجاً نادراً لرجل استطاع أن يجعل من الفكر موقفاً ومن المسؤولية نضالاً ومن العمل العام رسالة تتجاوز حدود الذات والمصلحة لقد عاش حياته مؤمناً أن الوطن أكبر من الأفراد وأن القائد الحقيقي هو من يترك خلفه رجالاً يحملون الفكرة من بعده لا مجرد صور معلقة على الجدران.
لذلك فإن ذكراه لا تسكن أرشيف التاريخ فقط بل تسكن في ضمير كل من عرفه وعمل معه وتتلمذ على يديه وآمن بأن فلسطين لا تُبنى إلا بأصحاب القلوب النظيفة والعقول العميقة والإرادات التي لا تنكسر وربما تكون العبقرية الحقيقية لبعض الرجال أنهم يرحلون جسداً لكنهم يتحولون بعد رحيلهم إلى لغة كاملة من القيم والمعاني؛ لغة تقول للأجيال القادمة إن الأوطان لا يحميها الضجيج بل يحميها أولئك الذين يحوّلون حياتهم كلها إلى صلاة طويلة في محراب فلسطين.
ابن الشبيبة الفتحاوية
ابن العاصفة
د. محمود جودت قبها