أنا لا أعرف كيف يمكن لإنسان أن يتحدث عن فلسطين هذه الأيام دون أن تتداخل في صوته أشياء كثيرة: الحب، والخوف، والغضب، والرجاء، والقلق على الغد.
أنا أحب هذا البلد.
وأثق بالرئيس.
ولهذا بالذات، لا أريد أن أصفق لكل شيء، ولا أن أعترض على كل شيء.
أريد أن أفهم.
وهناك أشياء كثيرة لم أعد أفهمها.
غزة تُباد.
والضفة تُستنزف.
والناس تفقد مصادر رزقها.
التاجر يختنق.
العامل يتعطل.
الموظف ينتظر.
الطالب ينتظر.
القاضي يعمل في ظروف قاسية.
والمواطن نفسه أصبح يحتاج إلى من يعالجه من أثر الأيام التي يعيشها.
نحن لا نعاني فقط من أزمة اقتصادية.
نحن نعاني من أزمة قدرة على الاحتمال.
وهذه أخطر.
لأن الاقتصاد يمكن أن يتعافى.
أما الإنسان حين يفقد قدرته على الأمل، فإعادته أصعب.
ومع ذلك، ما زال هذا الشعب يحب فلسطين.
وهنا تكمن عظمة هذا الشعب.
فلسطين أخذت منه الكثير، لكنه لم يأخذ منها حبه.
كلما ضاقت عليه الحياة، اتسعت فلسطين في قلبه.
كلما خسر عملًا، حافظ على وطنه.
كلما خاف على بيته، ظل يخاف على البلد أكثر.
ثم ننظر حولنا…
فنجد، مع الأسف، من يعيش وكأن كل هذا يحدث في بلد آخر.
سيارات.
امتيازات.
مواقع.
مكاتب.
مرافقون.
رحلات.
ومظاهر لا تشبه حياة المواطن العادي.
لا أتحدث عن الجميع.
ولا أريد أن أحوّل المسألة إلى اتهام.
لكنني أسأل سؤالًا موجعًا:
كيف يمكن لمسؤول أن يعيش في وطنٍ يطلب من الناس التضحية، ثم لا يشعر أن عليه أن يتنازل عن شيء؟
في الأزمات الكبرى، ليست المشكلة فقط في المال.
المشكلة في الصورة.
في الرسالة.
في الإحساس.
حين يرى المواطن أن راتبه لا يكفي “ان وجد”، ثم يرى من يعيش على امتيازات الدولة، لا يقول فقط: لماذا هو؟
يقول:
هل نحن فعلًا في مركب واحد؟
وهذه الجملة وحدها كافية لتخيف أي دولة.
ثم تأتي الدعوة إلى الانتخابات.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال لا أستطيع الهروب منه:
لماذا الآن؟
لا تقولوا إن السؤال ضد الديمقراطية.
ولا تقولوا إن من يسأل يخاف من الشعب.
أنا لا أخاف من الشعب.
أنا أخاف على الشعب.
وأنا لا أخاف من الانتخابات.
أنا أخاف على فلسطين من نتائج انتخابات لا نكون مستعدين لتحملها.
لأننا لسنا في ظرف طبيعي.
نحن في حرب.
غزة مدمرة.
الضفة تحت ضغط هائل.
الاقتصاد يختنق.
الناس مرهقة.
والبيت الفلسطيني نفسه لم يتعافَ من جرح الانقسام.
فهل نحن جاهزون لفتح كل أبواب المنافسة الآن؟
وهنا السؤال الأكثر حساسية:
من يقف خلف الباب؟
هناك من ينتظر.
هناك من يتربص.
هناك من يعرف كيف يتحدث إلى الجائع.
وكيف يخاطب الغاضب.
وكيف يحول الإحباط إلى أصوات.
وكيف يدخل من باب الديمقراطية، ثم يبدأ بعد ذلك في إغلاق الأبواب التي دخل منها.
نحن نعرفهم.
ولا يجوز أن نتظاهر بأننا لا نعرف.
الإخوان الشياطين لا يحتاجون إلى وطن قوي حتى يتحركوا.
هم يحتاجون إلى وطن متعب.
وإلى مجتمع غاضب.
وإلى إنسان فقد ثقته.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نترك المواطن وحده في مواجهة أزمته، ثم نطلب منه أن يخوض معركة سياسية كبرى.
الجائع قابل للاستغلال.
والخائف قابل للاستغلال.
واليائس أكثر قابلية للاستغلال.
وهذا ليس اتهامًا للمواطن.
هذا تحذير لمن يريد أن يستغل المواطن.
لذلك، لا أريد انتخابات تُجرى فقط لأن الانتخابات يجب أن تُجرى.
أريد انتخابات أعرف لماذا نجريها.
وإلى أين ستقودنا.
ومن سيحمي نتائجها.
ومن سيحمي الدولة بعدها.
ومن سيضمن أن الخاسر سيقبل، وأن الفائز سيحترم، وأن الجميع سيبقى داخل البيت الفلسطيني.
لأننا لا نملك رفاهية أن نقول بعد ذلك:
لم نكن نتوقع.
لقد توقعنا.
ونحن نعرف.
ودفعنا الثمن من قبل.
وأنا أقول هذا كله وأنا أحتفظ بثقتي بالرئيس.
بل ربما لأنني أثق به، أريد أن أسمع من حاشيته إجابة واضحة.
ليس عن الانتخابات فقط.
عن الناس.
عن المستقبل.
عن هذا الخوف الذي يسكن البيوت.
عن هذا التعب الذي لا يظهر في نشرات الأخبار.
عن هذا المواطن الذي لم يعد يريد الكثير.
لا يريد قصرًا.
ولا يريد منصبًا.
ولا يريد امتيازًا.
يريد أن يعيش.
يريد أن يفتح عينيه صباحًا ولا يخاف.
يريد أن يرسل ابنه إلى المدرسة وهو مطمئن.
يريد أن يعمل.
يريد أن يذهب إلى المحكمة وهو واثق أن العدالة لا تعرف الأسماء.
يريد أن يشعر أن الدولة التي يطلب منها أن يحميها، قادرة أيضًا على حمايته.
وهنا أصل إلى أكثر ما يؤلمني:
لماذا يبدو أحيانًا أن المطلوب من المواطن أن يحب الوطن أكثر مما يحب الوطن نفسه أبناءه؟
لماذا نطلب منه الصبر بلا نهاية؟
لماذا نطلب منه التضحية، بينما بعض من يملكون القرار لا يبدو أنهم يشعرون بثقل التضحية؟
إذا كانت المرحلة استثنائية، فلتكن الاستثنائية على الجميع.
إذا كان الوطن في أزمة، فلتكن الأزمة على الجميع.
إذا كان المطلوب شد الأحزمة، فلتُشد أولًا حول الامتيازات.
ليس لأن المسؤول عدو للمواطن.
بل لأن المسؤول، في زمن الخطر يجب أن يكون أول من يشعر بالخطر وآخر من يطلب من الناس التضحية.
أنا لا أريد إسقاط أحد.
ولا أريد الفوضى.
ولا أريد أن نكرر غزة.
ولا أريد أن أرى فلسطين تتشظى مرة أخرى.
ولا أريد أن يأتي أحد ليقول لنا بعد سنوات:
كان يمكن أن نتجنب كل ذلك.
أريد أن نحمي ما بقي.
أن نحمي السلطة الوطنية.
أن نحمي المشروع الوطني.
أن نحمي المؤسسات.
أن نحمي القضاء.
أن نحمي التعليم.
أن نحمي الإنسان.
وأن نحمي فلسطين من كل الذين يريدونها جسرًا إلى مصالحهم.
ولهذا، فإن الانتخابات بالنسبة لي ليست مجرد موعد.
إنها سؤال عن مصير.
والمصير لا يُدار بالعجلة.
ولا بالخوف.
ولا بالمجاملة.
ولا بالرغبة في إرضاء هذا الطرف أو ذاك.
المصير يحتاج إلى شجاعة.
وشجاعة المسؤول ليست أن يقول للناس: لا تخافوا.
بل أن يقول لهم:
أعرف لماذا تخافون، وسأخبركم كيف سنخرج من هذا الخوف.
نحن في آب.
الشمس في السماء.
لكنني أرى الشتاء في وجوه الناس.
أرى البرد في البيوت التي فقدت دخلها.
وفي الجامعات التي تعطلت.
وفي المحاكم التي أثقلها العجز.
وفي الشاب الذي لا يعرف أين سيذهب بشهادته.
وفي الأب الذي يخفي قلقه عن أطفاله.
ثم يأتي الشتاء…
فلا نشعر بالدفء.
لأن النار أصبحت في مكان آخر.
في الأعصاب.
في الجيوب.
في القلوب.
في انتظار خبر سيئ جديد.
شتاء في عز الصيف، وحرّ في عز الشتاء.
ورغم ذلك كله، ما زلت أحب فلسطين.
بل ربما هذا كله لأنني أحبها.
وما زلت أثق بالرئيس.
ولهذا أقول:
لا تخافوا من السؤال.
قولوا لنا:
لماذا الانتخابات الآن؟
ماذا بعدها؟
من يضمنها؟
من يحميها؟
ومن يحمي فلسطين من نتائجها إذا أخطأنا التقدير؟
هذه ليست أسئلة خصوم.
هذه أسئلة مواطنين يحبون وطنهم.
وأنا واحد منهم.
لا أريد أن أرى فلسطين تدخل معركة جديدة وهي تنزف.
لا أريد أن نختلف على الكرسي بينما الوطن نفسه يبحث عن مكان يجلس فيه ليستريح.
لا أريد أن ننتصر في الانتخابات ونخسر البلد.
فالكرسي يمكن أن يتغير صاحبه.
أما فلسطين…
فلا يمكن أن يتغير وطنها.
وهذا هو كل خوفي.