بقلم:م. محمد علي العايدي
في عام 2006 رفعت حماس شعار «الإسلام هو الحل»، وفازت بالانتخابات. لكن بدلاً من أن يكون الفوز بداية لشراكة وطنية، تحوّل الصراع السياسي إلى صراع على السلطة، وانتهى الأمر بسيطرة حماس بالقوة على غزة عام 2007، ليبدأ الانقسام الفلسطيني الذي دفع الشعب ثمنه طوال ما يقارب عقدين.
والأكثر إثارة للسؤال اليوم هو حجم التناقض.
لسنوات طويلة، اتهمت حماس السلطة بأنها «صنيعة أميركية وإسرائيلية»، وهاجمت أي تواصل سياسي مع واشنطن، ووصفت المفاوضات والاتصالات بأنها تنازل وخيانة، بينما كان قادتها يرفضون الاعتراف بشرعية المسار السياسي الذي كانت السلطة تسير فيه.
أما اليوم، فأصبح المبعوث الأميركي جاريد كوشنر يجلس مع قيادة حماس لمناقشة مستقبل غزة، وأصبح نزع سلاح الحركة وتسليم أسلحتها تدريجياً جزءاً من خارطة الطريق المطروحة لإنهاء الحرب وإعادة إعمار القطاع، وإن كان التنفيذ لا يزال موضع خلاف ولم يتم تسليم السلاح فعلياً حتى الآن.
وماذا عن التحالف مع دحلان الذي كانت تقول عنه حماس اقسى العبارات بالخيانه والعماله والارتباطات الصهيوامريكيه واليوم تجلس معه متحالفه متعاضده من اجل اسقاط السلطه ؟!..
السؤال هنا ليس شماتة بحماس، بل سؤال سياسي مشروع:
إذا كان التفاوض مع أميركا بالأمس عمالة، فماذا أصبح اليوم؟ وإذا كانت السلطة التي تتفاوض مع الأميركيين «صنيعة أميركية»، فكيف أصبحت واشنطن نفسها طرفاً في البحث عن مستقبل غزة وسلاح حماس؟
المشكلة ليست أن حماس غيّرت موقفها؛ فالسياسة يمكن أن تتغير عندما تتغير الظروف. المشكلة أن من حق الشعب أن يعرف: لماذا كان ما هو «خيانة» بالأمس يصبح «ضرورة سياسية» اليوم؟ ومن دفع ثمن العناد طوال هذه السنوات؟
غزة دفعت الثمن.
آلاف القتلى والجرحى، وبيوت ومدن مدمرة، وشعب مشتت يبحث عن مكان آمن، بينما بقيت القيادات الفلسطينية، على اختلاف مواقعها، تتصارع على النفوذ والشرعية.
والأخطر أن التجربة لا يبدو أنها انتهت.
هناك من يريد اليوم نقل المعركة إلى الضفة الغربية، واستثمار التعاطف الشعبي مع غزة للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات والتحالفات الجديدة.
وهنا يجب أن يكون موقف الفلسطيني واضحاً:
الانتخابات ليست غطاءً للانتقام، ولا طريقاً للسيطرة على الضفة كما حدث في غزة.
فلسطين لا تحتمل تجربة جديدة من الإقصاء، ولا انقلاباً جديداً على الشراكة الوطنية، ولا سلطة جديدة تُبنى على أنقاض سلطة أخرى.
لقد آن الأوان أن تتوقف الفصائل عن التعامل مع فلسطين كأنها ملك تنظيمي.
غزة ليست ملك حماس، والضفة ليست ملك فتح، وفلسطين ليست ملك الفصائل.
آن الأوان لسياسة جديدة لا يكون فيها السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة، ولا الانتخابات وسيلة لإقصاء الآخر، ولا الدم الفلسطيني وقوداً لمشاريع القيادات.
فبعد كل ما حدث، لم يعد السؤال: من يحكم فلسطين؟
السؤال الأهم هو:
هل تستطيع القيادات الفلسطينية أخيراً أن تتعلم كيف تحكم فلسطين من أجل شعبها، لا من أجل تنظيماتها؟.