جاري التحميل...

قراءة إمبريقية في ماهية النرجسية الجماعية ومصدر العدوان البشري:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين

يُعَدُّ النرجسية الجماعية أحد أكثر المصادر تأثيراً في إنتاج العدوان البشري، وأكثرها خطورة على المجتمعات البشرية. فهي، على عكس أشكال العدوان الدفاعي التقليدية، لا تنبع بالضرورة من تهديد مباشر للمصالح الحيوية فحسب، بل هي في جوهرها ظاهرة شبه مرضية، تتجاوز حدود العقل الفردي لتغزو العقل الجمعي، مستفحلة في السياقات التاريخية والاجتماعية التي تسمح لها بالتمدد.
فالعدوان الفردي، كما أكده فرويد في تحليله النفسي، غالبًا ما يكون رد فعل على تهديد ذاتي أو تصادم مع الغريزة أو الخطر المباشر. أما النرجسية الجماعية، فهي لا تكتفي برد الفعل الدفاعي، بل تخلق حالة من التصعيد الممنهج، إذ يُستثمر الانتماء الجماعي لتعظيم الذات الجمعيّة، وإقصاء الآخر، وتحويل الاختلاف إلى تهديد وجودي يستدعي المواجهة العنيفة.
وعندما نتمعّن في المذابح الجماعية، فإننا ندرك دور النرجسية الجماعية في تهيئة المناخ النفسي والاجتماعي للقتل المنهجي. ففي تقسيم الهند بين الهندوس والمسلمين، أو الصراعات الحديثة بين البنغاليين وحكامهم الباكستانيين، لعبت الصورة المبالغ فيها للذات الجماعية، وما يترتب عليها من شعور بالعظمة والتفوق الأخلاقي، دورًا محورياً في تبرير المذابح، وتحويل الكراهية إلى عدوان دموي متسلسل. وهنا، نجد أن النرجسية الجماعية ليست مجرد سلوك نفسي، بل هي آلية اجتماعية وسياسية معقدة تُنتج العنف الممنهج، وتعيد إنتاجه عبر التاريخ.
وتكمن خطورة النرجسية الجماعية في كونها تُبقي المجتمعات في حالة هاجس دائم تجاه الآخر، وتغلق مساحات الحوار والتفاهم، وتزيد من قابلية الجماعات للتصادم والصراع. كما أنها تخلق وهماً أخلاقياً يجعل العدوان يُنظر إليه على أنه دفاع عن كيان الجماعة ومقدساتها، في حين أنه في الحقيقة تعبير عن مرض جمعي يفتك بالعقل الأخلاقي ويستنزف الموارد البشرية والمادية على حد سواء.
وقد أشار العديد من المفكرين إلى الطبيعة المدمرة لهذه الظاهرة. فإريك فروم يرى أن النرجسية الجماعية تتغذى على الشعور بعدم الأمان، وتصبح العدوانية الناتجة عنها أسلوباً لتأكيد الذات الجمعية، بدل مواجهة المخاطر الحقيقية. أما حنة آرندت فقد شددت على أن الجماعات التي تسقط في وهم العظمة الجمعيّة تميل إلى الإذعان للسلطة المطلقة، بما يمهّد لإعادة إنتاج الاستبداد والعنف.
إن فهم النرجسية الجماعية، من منظور نفسي واجتماعي وسياسي، يتيح للمجتمعات أدوات لتحييد تأثيرها، من خلال تعزيز التفكير النقدي، وتنمية التعاطف بين الجماعات، وفتح قنوات التواصل المستمر، وإرساء مؤسسات تمنع استغلال الانتماءات الجماعية في تحفيز العنف. فالوعي بهذه الظاهرة هو الخطوة الأولى في منع التكرار التاريخي للمذابح الجماعية، وحماية الإنسانية من فوضى الذات الجمعيّة المتغطرسة.

في الختام،
يمكن القول إن النرجسية الجماعية تمثل واحداً من أعقد مصادر العدوان البشري، ليس لأنها مجرد رد فعل على تهديد، بل لأنها عدوان ذاتي التكوين، ينبثق من مرض داخلي في العقل الجمعي، يحتاج إلى معالجة معرفية، ونفسية، وفلسفية، وسياسية، لمنع تراكمه وتفجيره في المستقبل، ولتأمين مسارات حضارية تتيح للبشرية التعايش بدلاً من الصراع.