| جاكي حوغي
معاريف
هو من بادر إلى تشكيل الحكومة الجديدة وموّلها، ويقدّم المشورة للبيت الأبيض، ويوفّر الغذاء يوميًا للنازحين. قادة حماس يتعاونون معه، لكنهم لا ينسون أن هدفه في نهاية المطاف هو إزاحتهم.
ها هو محمد دحلان يعود مجددًا إلى قلب المشهد، وكأنه ظهر من العدم. السياسي الفلسطيني المخضرم بات اليوم أحد أبرز الشخصيات التي تقف خلف التحركات الدولية المتعلقة بقطاع غزة. فليس السلطة الفلسطينية، بل هو شخصيًا، رغم إبعاده عن صفوف حركة فتح، من يؤدي خلال العام الأخير دورًا في كل تحرك مهم يتعلق بغزة؛ بدءًا من إطعام الأفواه الجائعة، مرورًا باتفاق وقف إطلاق النار، وصولًا إلى مشروع إعادة الإعمار الذي يقوده البيت الأبيض. معظم تحركاته تتم بهدوء، ولذلك لا تصل إلى العناوين، لكن يمكن الوثوق بأنه حين يريد، سيعرف كيف يضع نفسه على الصفحات الأولى.
قدّم دحلان المشورة للأميركيين وأسدى إليهم النصائح طوال هذه الفترة، منذ بداية الحرب وحتى اليوم. وتركزت نصائحه على كيفية التحدث مع حماس. كما أنشأ شبكة من الموالين والعاملين في مختلف أنحاء القطاع، تساعده على معرفة المزاج العام في غزة من أقصاها إلى أقصاها.
وقبل نحو خمس سنوات، أسس حزبًا باسم «التيار الوطني الديمقراطي»، ينشط ممثلوه على نطاق واسع في القطاع، وشاركوا أيضًا في الاتصالات مع المخابرات المصرية بشأن وقف إطلاق النار. ومن مقر إقامته في أبوظبي، أنشأ دحلان منظومة لتوفير الغذاء والمعدات للسكان الذين نزحوا من منازلهم، بتمويل من ماله الخاص ومن أموال حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. فالاقتصاد الغزي متوقف بالكامل تقريبًا، وقد تجاوزت نسبة البطالة 80%. ولذلك تعتمد الاحتياجات المعيشية للسكان في هذه الأيام إلى حد كبير على التبرعات.
وتضم قائمة الجهات والدول الداعمة لإرسال الغذاء والمعدات الأساسية إلى سكان غزة كلًا من قطر والأردن والأمم المتحدة وجمعيات تركية، بل وحتى دولًا في الاتحاد الأوروبي، إلا أن دحلان والإمارات تفوقا على الجميع. فقد استثمر الاثنان معًا، من أموال دحلان الخاصة ومن أموال حكومة أبوظبي، أكثر من مليار دولار لصالح سكان القطاع منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم.
علاقات مع إسرائيليين
يُنظر إلى دحلان اليوم، بفضل علاقاته وتحركاته في القطاع، على أنه، في نظر كثيرين، الطرف السياسي الأكثر تأثيرًا في مختلف الجهات الفاعلة التي ترسم مسار غزة في هذه الأيام. وهو يتمتع بخط اتصال مباشر مع جاريد كوشنر، مستشار ترامب وصهره. ومنذ سنوات، تربطه صداقة وثيقة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكذلك بالمخابرات المصرية.
ولم يهمل دحلان علاقاته مع القيادة الإسرائيلية. فكل مسؤول إسرائيلي رفيع تقريبًا زار أبوظبي خلال العقد الأخير التقى به سرًا. وهذا الأسبوع أرسل دحلان رجاله إلى القاهرة للقاء قادة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى. وكان على جدول الأعمال تنسيق المواقف خلال الأشهر المقبلة، إلى أن تتضح نتائج الانتخابات في إسرائيل. والجميع يعلم أن خطة النقاط الـ15 التي اقترحها الأميركيون لا تحظى إلا بفرص ضئيلة للتنفيذ قريبًا بسبب المعارضة الإسرائيلية.
وهناك الكثير مما يتعين التنسيق بشأنه. فقطاع غزة في هذه الأيام يشهد نشاطًا سياسيًا وعسكريًا ودوليًا مكثفًا. وقد وصل أول الجنود المغاربة إلى القطاع خلال الأيام الأخيرة وبدأوا بالتمركز في مواقعهم. كما أن مشروع إعادة الإعمار جارٍ على قدم وساق، وقد سمحت إسرائيل هذا الأسبوع، للمرة الأولى وبفضل ضغوط كوشنر خلال لقائه بنيامين نتنياهو، بإدخال جرافات لإزالة الأنقاض.
وفي القاهرة تنتظر حكومة الخبراء الفلسطينية الضوء الأخضر الذي سيسمح لها بدخول القطاع. ولا تزال إسرائيل تمنع دخولها ردًا على رفض حماس نزع سلاحها. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل وحماس تبادل الضربات، فيما يهاجم الجيش الإسرائيلي ويقتل قادة في الجناح العسكري لحماس بصورة شبه يومية.
ويوم الأحد من هذا الأسبوع، تم تجاوز حاجز سياسي آخر، وإن كان صغيرًا. فقد التقى كوشنر رئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية. ومنذ اندلاع الحرب، التقى الأميركيون مسؤولين كبارًا في حماس، لكن لم يسبق أن جرى لقاء على هذا المستوى: الرجل الأول في حماس مع المبعوث البارز للرئيس الأميركي. وكل ذلك في وقت تُصنَّف فيه حماس، بجميع أذرعها، بموجب القانون الأميركي، منظمة إرهابية.
أموال من الاستشارات الأمنية
دحلان، البالغ من العمر 64 عامًا، وُلد ونشأ في خان يونس. وقد جمع ثروته الكبيرة من العمل مستشارًا أمنيًا لحكومات. ويتمثل مجال تخصصه المهني في تأمين الشخصيات والمنشآت لصالح دول. واكتسب هذه المعرفة من السوفييت في شبابه عندما كان ضابطًا في حركة فتح.
وخلال الانتفاضة الأولى، أُبعد إلى الأردن، ومنها انتقل إلى تونس والتحق بصفوف القيادة. وبعد اتفاق أوسلو عاد إلى قطاع غزة وأصبح من المقربين الذين رعاهم ياسر عرفات. وعيّنه الرئيس الفلسطيني رئيسًا لجهاز الأمن الوقائي في القطاع، ثم وزيرًا للداخلية في السلطة الفلسطينية. وكان قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي ومسلحو جناحيهما العسكريين في مرمى نشاطه، وبدأ بتضييق الخناق عليهم، بل وإحباط هجمات ضد إسرائيليين.
وسرعان ما اندلع خلاف حاد بينه وبين عرفات حول أسلوب الإدارة القديم الذي كان يتبعه الأخير، وحول ترقية شخصيات اعتبرها دحلان غير جديرة بالمناصب.
وعندما سقط قطاع غزة في يد حماس عام 2007، كان دحلان موجودًا في رام الله، ولم يكن يشغل حينها أي منصب رسمي. وعلى الرغم من ذلك، ظلت تلاحقه صورة الشخص الذي وضع الأسس للمبادئ الأمنية التي اتبعتها السلطة الفلسطينية في القطاع.
انتقل دحلان إلى الأردن، ثم إلى الخليج، ومن هناك بدأ ببناء قاعدة تأييد له عبر دعم السكان الفلسطينيين من وراء ظهر السلطة الفلسطينية. وبرع خصوصًا في تمويل طرود غذائية للمحتاجين في مخيمات اللاجئين. ورأى أبو مازن في ذلك نشاطًا تخريبيًا ضده، وحاول وقفه، وفي ذروة الصراع بينهما أعلن طرد دحلان من صفوف حركة فتح. وخرج دحلان منتصرًا من المواجهة، وبعد حماس وعرفات، أصبح لديه خصم فلسطيني ثالث.
اليوم، وفي ظل غياب قيادة كاريزمية، يمثل دحلان بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين أملًا بمستقبل يسوده الاستقرار والحياة الهادئة. فهو شاب نسبيًا، معتدل، علماني وبعيد عن الجهاز المتآكل للسلطة الفلسطينية. ومن الناحية السياسية، يُنظر إليه على أنه معتدل وبراغماتي ويتمتع بخط مستقل، لكنه يُعتبر أيضًا سياسيًا داهية وشخصًا صعب المراس. وإضافة إلى ذلك، فهو بارع في العلاقات العامة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالترويج لنفسه.
وقد تكون الشراكة القائمة هذه الأيام بين دحلان وحماس مضللة. ففي هذه المرحلة، كانت حماس بحاجة ماسة إليه كي يدافع عنها أمام الأميركيين، وهذا ما حدث بالفعل. فدحلان يُعد أحد العوامل الرئيسية التي دفعت البيت الأبيض إلى اختيار مسار إعادة الإعمار بدلًا من مواصلة العمل على القضاء على حماس.
لكن دحلان بالنسبة إلى حماس هو أيضًا خصم سياسي، وقد يعود، في ظل تطورات مستقبلية معينة، ليصبح عدوًا لها. فالحركة لا تزال تتذكر جيدًا سنوات التسعينيات القاسية، عندما كان بمثابة «شريف غزة»، أي رجل الأمن الأقوى فيها.
وإلى جانب بقية مهامه، نجح دحلان في تأمين التمويل اللازم لعمل الشرطة الفلسطينية الجديدة. ومن المقرر أن تضم هذه القوة في مرحلتها الأولى ألفي عنصر يرتدون الزي الرسمي، جميعهم من سكان غزة وقد جرى تجنيدهم بالفعل، فيما تلقى بعضهم التدريب في مصر والأردن.
ومن المفترض أن تحل هذه القوة محل شرطة حماس. وستكون مهمتها الرئيسية حفظ القانون والنظام، لكنها ستتولى أيضًا جمع السلاح من حماس وحماية عناصرها من أعمال الانتقام. وإذا جرى بالفعل نزع سلاح حماس، وكذلك الميليشيات التي أنشأتها إسرائيل، فستبقى هذه الشرطة القوة الأمنية الوحيدة في القطاع.
وستكون هذه القوة موالية لمن يدفع رواتبها، أي لمحمد دحلان. وفي حماس يدركون مغزى هذه الخطة جيدًا: دحلان يبني لنفسه قوة خاصة ستقوم على أنقاض أجهزة حكمهم.
وطالما أنه يبذل جهده لدفع مشروع إعادة الإعمار قدمًا، ويرسل معدات ومواد غذائية بمئات الملايين، فإنه يحظى بمباركتهم. لكن في اللحظة التي يبدأ فيها بتحصيل المقابل وبسط سيطرته على القطاع بواسطة عناصر الشرطة، ثمة احتمال أن تضع حماس حاجزًا في طريقه.
وستفعل ذلك ما دام فيها عِرق ينبض