كان صوت جوليا بطرس يقول لنا ونحن أصغر من أن نفهم كل شيء:
«نرفض نحنا نموت قولولن رح نبقى»
وكنا نصدّقها.
يا ليتنا بقينا أطفالًا…
فالأطفال على الأقل، لا يعرفون كيف تتحول الثورات إلى وظائف، والوطن إلى حصص، والشعارات إلى ديكور، والكرامة إلى منشور.
كبرنا.
والأغنية بقيت كما هي.
نحن الذين تغيّرنا.
صرنا نعرف أن الاحتلال ليس وحده من يريد للفلسطيني أن يموت.
هناك من يريد موته جائعًا.
ومن يريد موته مقهورًا.
ومن يريد موته منقسمًا.
ومن يريد موته خائفًا.
ومن يريد موته يائسًا.
ومن يريد شيئًا أكثر خبثًا:
أن يبقى حيًا… لكن بلا روح.
وهنا أسأل نفسي، وأسأل جيلي:
كيف تربّينا على «نرفض نحنا نموت» ثم انتهينا إلى هذا الواقع الذي لا يقتلنا دفعة واحدة، بل يعلّمنا كل صباح كيف نموت قليلًا؟
كيف وصلنا إلى وطنٍ يخاف فيه الأب على مستقبل ابنه أكثر مما يخاف عليه من العدو؟
كيف صار الشاب الفلسطيني يحلم بحياةٍ عادية، وكأن الحياة العادية أصبحت ترفًا؟
وكيف أصبحنا نطلب من الناس أن يصبروا، بينما صبرهم نفسه صار ينزف؟
ثم أتخيل حفيدي يسألني:
جدي، ماذا كنتم تفعلون؟
يا للورطة!
ماذا سأقول؟
كنا نغني.
ثم كبرنا…
فصرنا نُحسن التصفيق.
كنا نحلم بالوطن…
ثم تعلمنا كيف نتنافس على ما تبقى منه.
كنا نرفض الموت…
ثم سمحنا لليأس أن يربّي أبناءنا بدلًا منا.
كنا نريد أن نكون أحرارًا…
ثم بدأ بعضنا يبحث عن طريقةٍ محترمة ليعتاد القيد.
أي عبث هذا؟
لكن لا.
لن أعطي أحدًا هذه النهاية.
لا الاحتلال، ولا الفساد، ولا الانقسام، ولا تجار اليأس، ولا محترفو الوطنية، ولا أولئك الذين حوّلوا فلسطين إلى مسرحٍ كبير، وكل واحد منهم مصرٌّ على لعب دور البطولة فيه”رغم انه مهرج”ليس إلا، بينما الجمهور الفلسطيني يدفع ثمن التذكرة من عمره.
لن نقبل.
لأننا لسنا جيلًا وُلد كي يعتذر عن وجوده.
ولسنا شعبًا مطلوبًا منه أن يكون شهيدًا كي يكون وطنيًا.
ولسنا مضطرين أن نختار بين الاحتلال وبين البؤس، بين الرصاصة وبين اليأس، بين الانقسام وبين الصمت.
نريد فلسطين. كاملةً في معناها، لا في خرائطها فقط.
نريد وطنًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى بطولةٍ كي يعيش.
نريد أن نرى أبناءنا يكبرون دون أن نعتذر لهم عن وطنهم.
نريد أن يعود للناس شيءٌ سرقناه منهم دون أن نشعر:
الأمل.
ولهذا سأقول لحفيدي:
نعم، أخطأنا.
تعبنا.
خذلنا أنفسنا أحيانًا.
وسمحنا لأشياء صغيرة أن تكبر حتى حجبت عنا فلسطين.
لكننا لم نمت.
اسمع جيدًا يا بني:
لم نمت.
ما زال فينا ذلك الطفل الذي كان يرفع صوته مع جوليا بطرس ويقول:
«نرفض نحنا نموت».
وإذا سألني: ومن كنتم ترفضون الموت بسببه؟
سأقول له:
في البداية كنا نعرف عدوًا واحدًا.
ثم اكتشفنا أن هناك ألف طريقة لقتل الفلسطيني.
لكننا اكتشفنا أيضًا أن هناك ألف طريقة للبقاء.
وأولها…
أن نقول لا.
لا للاحتلال.
لا لليأس.
لا للفساد.
لا للانقسام.
لا لتحويل الوطن إلى غنيمة.
لا لتحويل المواطن إلى متفرج.
ولا لتحويل فلسطين إلى جنازةٍ طويلة، نتبادل فيها الخطب وننسى أن هناك شعبًا يريد أن يعيش.
وإذا قالوا لنا:
ماذا تريدون؟
لن نقول هذه المرة: نريد أن نموت من أجل فلسطين.
سنقول شيئًا ربما يخيفهم أكثر:
نريد أن نعيشها.
نريد أن نعيشها حتى يتعبوا من رؤيتنا أحياء.
حتى يملّوا من انتظار نهايتنا.
حتى يفهموا أن الفلسطيني الذي ظنوه جثةً مؤجلة…
قد يكون أخطر عليهم وهو حي.
وهذا يا حفيدي…
ليس حلمًا.
هذه ثورة.
وافهم يلي تفهم.