جاري التحميل...

يلعن أبو هذا الخراب… ويلعن من صنعه

بقلم شادي عياد

كفى.

فلسطين ليست في أزمة عابرة، فلسطين في حفرة عميقة حفرها الاحتلال، ووسّعها الانقسام، وعمّقها الفشل، وغطّاها بعض المتنفذين بطبقة سميكة من الكذب والنفاق.

غزة مدمرة، والضفة مخنوقة، والاقتصاد يترنح، والناس منهكة، والثقة تتآكل، والمستقبل صار سؤالاً ثقيلاً في رأس كل شاب.

ومع ذلك…

ما زال بعضهم يتصرف وكأن الكارثة مجرد خلاف على توزيع المقاعد!

يلعن أبو الكرسي إذا كان أهم من فلسطين.

ويلعن أبو السياسة إذا تحولت إلى حرفة للبقاء.

ويلعن أبو الإصلاح إذا كان مجرد قناع لطامعين جدد.

وحماس تحديداً لا نريد أن نسمع منها اليوم محاضرة في الوطنية ولتذهب إلى جهنم.

كفى.

لقد اختارت طريقاً مزّق البيت الفلسطيني، وأقامت مشروعاً عميلا موازياً للمشروع الوطني الفلسطيني، وحوّلت الانقسام من جرح مؤقت إلى واقع سياسي عفن مثلها، ثم دفعت فلسطين كلها ثمن خياراتها.

لا تختبئوا خلف كلمة «المقاومة».

ولا تجعلوا الدم الفلسطيني جداراً يحجب السؤال.

“المقاومة” لا تمحو المسؤولية والشعارات لا تغسل النتائج.

أنتم اخترتم طريقاً.

والطريق له ثمن.

والشعب هو الذي دفع الثمن.

ومن حقه اليوم أن يقول لكم:

لن نسمح لكم أن تجعلوا من الكارثة بطولة، ولا من الانقسام إنجازاً، ولا من الخراب مشروعاً للمستقبل.

ثم يظهر لنا فجأة جيش من «الإصلاحيين».

يا سلام!

إصلاحيون يكتشفون الإصلاح عندما تقترب رائحة السلطة!

ينتقدون الفساد في العلن، ويبحثون عن أبواب الدخول إليه في السر.

يهاجمون المنظومة صباحاً، ثم يتفاوضون على حصتهم منها مساءً.

ويمدون أيديهم إلى تحالفات مشبوهة، ثم يخرجون علينا بوجوه ملائكية ليقولوا:

نحن مشروع الإنقاذ!

لا يا سادة.

أنتم مشروع الفراغ.

تنتظرون أن يسقط الجميع لكي تقفوا فوق الركام وتعلنوا أنفسكم ورثةً للوطن.

تباً لهذا الإصلاح.

وتباً لمن يبيع فلسطين في سوق الطموح الشخصي الرخيص.

أما أولئك الذين أُعطوا مواقع ومسؤوليات، ثم اكتشفوا أن أفضل طريقة لحماية الوطن هي حماية كراسيهم…

فليس لدينا وقت طويل للكلام عنهم.

نقول لهم:

اتركوا الطريق مفتوحاً.

لا نطلب منكم أن تنقذوا فلسطين.

فقط لا تمنعوا من يحاول.
وحلوا عن صدورنا….

وفتح…

لا تختبئوا وراء حبنا لها.

نحن نحب فتح لأنها فلسطين في ذاكرتنا ووجداننا وتاريخنا، لا لأن أسماءنا معلقة على أبوابها.

ومن يحب فتح لا يصفق لمن يسيء إليها.

فتح تحتاج إلى شجاعة أبنائها، لا إلى تقديس أخطائها.

تحتاج إلى تنظيف بيتها من الانتهازية، وإعادة الاعتبار للكفاءة، واستعادة روحها الوطنية، لا إلى المزيد من الصراخ باسمها.

والآن، إلى الجميع:

إلى من قسم.

إلى من فشل.

إلى من فسد.

إلى من نافق.

إلى من سكت.

إلى من تاجر.

إلى من انتظر الفرصة.

وإلى من جعل الوطن سلماً.

يلعن أبو كل عقلية جعلت فلسطين أصغر من أصحابها.

يلعن أبو كل من رأى الناس تختنق واهتم بمنصب.

يلعن أبو كل من عرف الحقيقة وخاف أن يقولها.

يلعن أبو كل من جعل الولاء للأشخاص أهم من الولاء للوطن.

ويلعن أبو كل من يعتقد أن الفلسطيني يمكن أن يُخدع إلى الأبد.

نحن في أسوأ ما مررنا به منذ سنوات.

وهذه ليست لحظة مزايدات.

هذه لحظة إنقاذ أو غرق.

لكن هناك شيئاً يجب أن نقوله بوضوح، وهدوء، ومن دون أن نخاف من كلمة الديمقراطية:

الديمقراطية ليست غسالة سياسية.

لا يجوز أن نجعل من أي استحقاق ديمقراطي باباً لإعادة تدوير الانقسام، أو أن نعطي باسم صناديق الاقتراع شرعية جديدة لمشروعٍ أدمى شعبنا ومزّق وحدته الوطنية.

نحن مع الديمقراطية والوحدة، لأنهما حق للشعب، لكننا لسنا مع استخدام الديمقراطية لمحو الذاكرة أو غسل المسؤولية أو مكافأة من أوصلنا إلى الكارثة.

الصندوق لا يمحو التاريخ.

والانتخاب لا يغسل الدم.

والشرعية الديمقراطية لا تعني أن كل مشروع يصبح وطنياً لمجرد أنه دخل من باب الانتخابات.

فلسطين أولاً… ثم تأتي صناديقها، لا العكس.

وربما الأهم أن شيئاً بدأ يتغير تحت هذا الركام كله، ثورة هادئة في وعي الناس، لا على الوطن ولا على الشرعية، بل على الكذب والتبرير والاستسلام لهذا الواقع.

ولعل أول من التقط هذه اللحظة كان الرئيس أبو مازن، ومعه شعبٌ بدأ يقول: كفى.

كفى انقساماً وكفى فشلاً، وكفى أن يدفع الناس ثمن أخطاء السياسيين لا اطال الله في أعمارهم.

فالثورة الحقيقية أحياناً لا تبدأ في الشوارع… تبدأ حين يفقد الناس قدرتهم على تصديق الكذبة القديمة.

لن نسلّم فلسطين لمن قسمها، ولا لمن أفسدها، ولا لمن ينتظر سقوطها كي يرثها.

وفتح، بكل ما لها من تاريخ وتضحيات وأخطاء، ليست تفصيلاً في هذه الحكاية، بل هي جزء أصيل من الرواية الوطنية الفلسطينية، ومن حقها أن تستعيد عافيتها بعيداً عن الذين أتعبوها من داخلها، وبعيداً عن الذين يريدون اقتلاعها من خارجها.

نريد فتح قوية بوطنها، لا بأشخاصها، قوية بتاريخها، لا بمواقع أبنائها، قوية بمشروعها الوطني، لا بعدد الكراسي التي تملكها.

أما الذين يتربصون بفلسطين من كل الجهات، ويحسبون أن لحظة ضعفها هي لحظة انتصارهم…

فليبلعوا أوهامهم.

هذه البلاد ليست سائبة.

وهذا الشعب ليس بلا ذاكرة.

وهذه فتح ليست جثة تنتظر من يكتب شهادة وفاتها.

وفلسطين لم تنتهِ… لكن زمن الذين يعبثون بها ثم يطلبون منا أن نصفق لهم انتهى.

فليذهب كل من أوصلنا إلى هذا القاع إلى مزبلة التاريخ.

وليتركوا فلسطين لأهلها… قبل أن تصلهم أقدام أبنائها لتدوس رؤسهم.

بقلم شادي عياد