بقلم: د. صالح الشقباوي
أقرأ ما كتبه الدكتور عبد المجيد سويلم عن «الخطر القادم والفرقة الفلسطينية الناجية» لا باعتباره مجرد مقال سياسي، وإنما باعتباره نصًا يفتح سؤالًا أعمق من السياسة ذاتها: من الذي ينجو حين يصبح الوطن مهددًا في وجوده؟ ومن الذي يملك حق تعريف النجاة؟
لقد أصاب الدكتور سويلم في تشخيص الخطر حين حذّر من أن يتحول الانفصال بين غزة والضفة من حالة جغرافية فرضها الاحتلال إلى حقيقة سياسية وكيانية دائمة، وحين ربط ذلك بمحاولة إعادة تشكيل الوظيفة السياسية الفلسطينية على نحو يفقد القضية وحدتها الوطنية.
لكنني أختلف معه فلسفيًا عند نقطة جوهرية:
لا أعتقد أن هناك «فرقة فلسطينية ناجية» بالمعنى الحقيقي؛ لأن النجاة الفردية أو الفصائلية داخل مشروع يسعى إلى تفكيك الكل الفلسطيني ليست نجاة، وإنما شكل من أشكال إعادة إنتاج الهزيمة.
فالنجاة، في فلسفة الوجود السياسي، لا تكون نجاة الجزء إذا كان الكل يموت.
أولًا: من «الفرقة الناجية» إلى «الوطن الناجي»
إن مفهوم «الفرقة الناجية» يحمل، ولو بصورة مجازية، حمولة لاهوتية عميقة: جماعة تنجو، وأخرى تهلك.
لكن القضية الفلسطينية ليست مسألة بحث عن جماعة ناجية من بين جماعات فلسطينية؛ إنها قضية شعب يبحث عن استمرارية وجوده التاريخي.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس:
من هي الفرقة التي ستنجو؟
بل:
كيف ينجو الشعب الفلسطيني؟
وهنا ينتقل التفكير من منطق الفرقة إلى منطق الكل، ومن منطق الاصطفاء إلى منطق الوجود، ومن منطق السلطة إلى منطق الوطن.
إن غزة ليست فرقة، والضفة ليست فرقة، والشتات ليس فرقة.
إنها كلها أشكال متعددة للوجود الفلسطيني الواحد.
ثانيًا: الاحتلال لا يريد فقط تقسيم الأرض، بل تقسيم الوعي
وهنا ألتقي مع جوهر أطروحة سويلم.
فالاحتلال لا يعمل فقط على فصل الجغرافيا، وإنما يعمل على إنتاج وعي جديد بالانفصال.
وهذه أخطر مراحل المشروع.
فالحدود التي تُرسم في الوعي قد تكون أكثر خطورة من الحدود التي تُرسم على الأرض.
عندما يبدأ الفلسطيني في التفكير بأن غزة «قضية غزة»، والضفة «قضية الضفة»، والقدس «ملفًا آخر»، واللاجئين «مسألة إنسانية»، والشتات «ذاكرة»، نكون قد انتقلنا من الاحتلال الجغرافي إلى احتلال البنية الإدراكية للوجود الفلسطيني.
وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس أن ينقسم الوطن فقط، وإنما أن يفقد الفلسطيني القدرة على تصور وطنه كوحدة واحدة.
ثالثًا: النجاة التي تأتي من الخارج قد تكون شكلًا آخر من الهلاك
ثمة سؤال فلسفي ينبغي أن نطرحه بصراحة:
هل كل من ينجو من الموت يكون قد نجا؟
ليس بالضرورة.
قد ينجو الجسد، بينما يموت المعنى.
وقد تبقى الإدارة، بينما تسقط القضية.
وقد تبقى المؤسسات، بينما يختفي المشروع الوطني.
وقد يُعاد إعمار الحجر، بينما يُهدم الإنسان سياسيًا وتاريخيًا.
ومن هنا فإن أخطر نجاة فلسطينية هي تلك التي تُبقي الفلسطيني حيًا بوصفه ساكنًا لا بوصفه صاحب قضية، وبوصفه مُدارًا لا بوصفه شريكًا في صناعة مستقبله.
وهذه هي النقطة التي أرى أن علينا أن نضيفها إلى أطروحة الدكتور سويلم.
رابعًا: لا يجوز أن تتحول الوحدة إلى شعار فصائلي
لكن في المقابل، هناك خطر آخر.
فالوحدة الوطنية لا تعني إعادة إنتاج الانقسام تحت اسم جديد، ولا تعني أن تستعيد فصيلة أو حركة أو مؤسسة احتكار تمثيل الشعب الفلسطيني.
الوحدة ليست أن ينتصر فتح على حماس، ولا أن تنتصر حماس على فتح.
الوحدة هي أن تنتصر فلسطين على الانقسام.
وهذا يتطلب الانتقال من سؤال:
من يحكم؟
إلى سؤال:
ما شكل النظام السياسي الذي يستطيع أن يحتوي الجميع؟
فالسياسة الفلسطينية تحتاج إلى فلسفة جديدة للتمثيل تقوم على أن الشعب أكبر من الفصيل، والوطن أكبر من السلطة، والتاريخ أكبر من اللحظة السياسية.
خامسًا: «الفرقة الناجية» الحقيقية هي الشعب
إذا أردنا الاحتفاظ بالمفهوم الذي استخدمه الدكتور سويلم، فإنني أقترح إعادة تعريفه:
الفرقة الفلسطينية الناجية ليست فتح، وليست حماس، وليست أي تيار أو تنظيم أو شخصية.
إنها فلسطين نفسها.
الناجي الحقيقي هو:
غزة والضفة والقدس والداخل والشتات.
هو اللاجئ والمقيم والأسير والشهيد والنازح والمقاوم والمثقف والعامل والفلاح.
هو الذاكرة التي لم تستطع النكبة إبادتها.
وهو الهوية التي لم يستطع الاحتلال إلغاءها.
سادسًا: الخطر القادم ليس الانفصال فقط، بل «تطبيع الانفصال»
وهنا أرى أن علينا أن نذهب خطوة أبعد من تشخيص سويلم.
فالخطر الأكبر ليس أن يُفرض الانفصال بالقوة.
الخطر هو أن يتحول الانفصال إلى أمر طبيعي.
أن يبدأ الناس بالتعايش معه.
أن يصبح لكل منطقة اقتصادها، وإدارتها، وأمنها، وخطابها، ومصالحها، وذاكرتها السياسية.
عندها لا نحتاج إلى إعلان رسمي عن تقسيم فلسطين.
سيكون التقسيم قد تحقق في الوعي السياسي والاجتماعي.
وهذا أخطر أنواع التقسيم؛ لأنه لا يحتاج إلى جنود.
سابعًا: فلسطين ليست وظيفة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمشروع الوطني هو أن يتحول الفلسطيني من فاعل تاريخي إلى وظيفة سياسية.
أن يصبح دوره إدارة السكان، أو إدارة الإعمار، أو إدارة الأمن، أو إدارة المساعدات، بينما تُترك السيادة والحدود والموارد والمستقبل للآخرين.
هنا يصبح السؤال الفلسفي:
هل نحن أمام دولة فلسطينية تُبنى، أم أمام وظيفة فلسطينية تُدار؟
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الوجود السياسي والوجود الوظيفي.
وأخيرًا
أحيي الدكتور عبد المجيد سويلم على قرع جرس الإنذار، وأختلف معه لا في جوهر التحذير، وإنما في ضرورة الذهاب بالمفهوم إلى نهايته الفلسفية.
فأنا لا أبحث عن «الفرقة الناجية».
أنا أبحث عن «الوطن الناجي».
ولا أريد أن تنجو جماعة فلسطينية من غزة، أو جماعة من الضفة، أو فصيل من فصيل.
أريد أن ينجو الوجود الفلسطيني كله من محاولة تحويله إلى أجزاء منفصلة، ووظائف منفصلة، وذاكرات منفصلة.
فلسطين لا تنجو عندما ينجو جزء منها.
فلسطين تنجو عندما يستعيد الفلسطيني قدرته على أن يرى نفسه شعبًا واحدًا، وأرضًا واحدة، وذاكرة واحدة، ومشروعًا تاريخيًا واحدًا، رغم تعدد الفصائل والاتجاهات.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
إن «الفرقة الناجية» التي نبحث عنها قد تكون هي فلسطين نفسها؛ أما كل فرقة تنجو على حساب فلسطين، فإنها لا تكون قد نجت، وإنما تكون قد نجت من المعركة وسقطت في التاريخ.
**
بالمناسبة د.عبد المجيد سويلم اخ وصديق عزيز وقدرة وطاقة اكاديمية ..وهو بالمناسبة ابن قريتي شقبا
نعم انه شقباوي ابا عند جد.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2