جاري التحميل...

العشاء الأخير لليوناردو دافنشي: اللحظة التي غيّرت مجرى التاريخ قراءة فلسفية ولاهوتية في الخيانة، والمسيح، وعالمية الرسالة المسيحية

د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2

تبدو لوحة «العشاء الأخير» لليوناردو دافنشي، التي أنجزها الفنان في دير سانتا ماريا ديلي غراتسي في ميلانو خلال الفترة الممتدة تقريبًا بين 1495 و1498، للوهلة الأولى عملاً فنيًا يجسد مشهدًا دينيًا معروفًا؛ غير أن التأمل العميق فيها يكشف أنها أكثر من لوحة، إنها تثبيت بصري للحظة من أخطر لحظات التاريخ المسيحي والإنساني.
إن دافنشي لم يرسم العشاء الأخير بوصفه مأدبة، وإنما اختار لحظة الانفجار النفسي التي أعلن فيها المسيح لتلاميذه أن واحدًا منهم سيسلمه. وفي تلك اللحظة تحديدًا، يتحول المكان من فضاء للطمأنينة إلى فضاء للشك والصدمة والخوف والغضب والأسئلة.
أولاً: لحظة انقسام الإنسان
في اللوحة نرى التلاميذ وقد انقسمت ملامحهم وحركاتهم بين الدهشة والاحتجاج والسؤال والانفعال. كأن كلمة المسيح الواحدة: «إن واحدًا منكم سيسلمني» قد فجّرت داخل كل إنسان سؤال الخيانة.
لكن في قلب هذا الاضطراب يبقى المسيح هادئًا.
وهنا تكمن عبقرية دافنشي: وضع الهدوء في مركز العاصفة.
فالمسيح لا يتحرك كما يتحرك الآخرون، ولا يدخل في الفوضى النفسية التي اجتاحت التلاميذ. إنه يبدو كأنه يعرف ما سيأتي، ولذلك فإن سكونه ليس سكون العاجز، بل سكون من أدرك مصيره وواجهه.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اللوحة فلسفيًا باعتبارها مواجهة بين الإنسان القَلِق أمام المستقبل، والإنسان الذي بلغ اليقين بمصيره.
ثانيًا: يهوذا وكيس الفضة
وفي الجهة المقابلة يظهر يهوذا بوصفه التجسيد البصري للخيانة.
لقد جعل دافنشي يهوذا جزءًا من الجماعة، ولكنه في الوقت نفسه وضع حوله علامات نفسية ورمزية تفصله عنها. ومن أشهر عناصر القراءة التقليدية للوحة كيس المال المرتبط بخيانة يهوذا.
وهنا يتحول المال إلى رمز فلسفي يتجاوز شخص يهوذا نفسه.
فالخيانة تبدأ عندما يتحول الإنسان من قيمة إلى ثمن، ومن مبدأ إلى منفعة، ومن الإيمان إلى صفقة.
ولهذا يمكن النظر إلى يهوذا باعتباره ليس مجرد شخص خان المسيح، وإنما رمزًا أبديًا للإنسان الذي يبيع القيمة من أجل المصلحة.
ثالثًا: المسيح أمام التحول التاريخي
إن خطورة اللحظة التي اختارها دافنشي لا تكمن فقط في الخيانة، وإنما في أن هذه اللحظة تسبق، في السرد المسيحي، سلسلة الأحداث التي ستقود إلى الصلب ثم إلى القيامة.
وبذلك يصبح «العشاء الأخير» نقطة مكثفة بين زمنين:
زمن المسيح بين تلاميذه، وزمن المسيحية بعد المسيح.
ومن هنا يمكن القول إن دافنشي لم يوثق حدثًا دينيًا فحسب، بل استعاد فنيًا لحظة يُنظر إليها داخل التقليد المسيحي باعتبارها من اللحظات المؤسسة لمسار تاريخي وحضاري بالغ الاتساع.
رابعًا: من الشريعة إلى المحبة
وهنا تبرز القضية اللاهوتية والفلسفية الأعمق.
ففي تعاليم المسيح تبرز المحبة بوصفها قيمة مركزية، ويتجلى ذلك بصورة واضحة في تعاليم مثل محبة الأعداء، ومقابلة الإساءة بالغفران، وقوله في إنجيل متى:
«من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا».
هذه التعاليم أسست، في القراءة المسيحية، لأفق أخلاقي يتجاوز منطق الانتقام والثأر، ويضع المحبة والغفران والرحمة في قلب العلاقة بين الإنسان والإنسان.
ومن هنا نشأت إحدى أعظم التحولات الأخلاقية التي أحدثتها المسيحية في التاريخ الديني والفلسفي للإنسان.
غير أن من المهم، من الناحية الأكاديمية، عدم اختزال العلاقة بين المسيحية واليهودية في القول إن المسيحية «قطعت كل صلة» بالتوراة أو الناموس؛ فالمسيحية نشأت تاريخيًا داخل البيئة اليهودية في فلسطين، واستندت إلى الكتب المقدسة اليهودية، لكنها أعادت تفسيرها في ضوء شخص المسيح وتعاليمه.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية:
لم تكن المسيحية مجرد استمرار بسيط لليهودية، كما أنها لم تكن بلا جذور يهودية؛ بل نشأت منها تاريخيًا ثم تطورت إلى عقيدة وهوية دينية مستقلة.
خامسًا: المسيحية الفلسطينية وخصوصية الأرض المقدسة
ومن هنا تكتسب المسيحية الفلسطينية أهميتها الاستثنائية.
فالمسيحية الفلسطينية ليست فكرة مستوردة إلى فلسطين، بل هي مرتبطة بالمكان الذي شهد حياة المسيح وتعاليمه وصلبه، وفق الإيمان المسيحي، وقيامته.
فالمسيحية الفلسطينية تحمل ذاكرة مكانية وروحية عميقة: بيت لحم، الناصرة، القدس، الجليل، وطرق فلسطين القديمة.
ولهذا فإن الدفاع عن الحضور المسيحي الفلسطيني ليس دفاعًا عن جماعة دينية فقط، وإنما دفاع عن جزء أصيل من الذاكرة التاريخية والروحية لفلسطين.
سادسًا: المسيح ورسالة الإنسان
في القراءة المسيحية، لم تكن رسالة المسيح محصورة في جماعة إثنية بعينها، بل اتجهت نحو الإنسان بوصفه إنسانًا.
وهنا تظهر عالمية الرسالة المسيحية في بعدها الأخلاقي والروحي.
لقد أصبحت المحبة، والغفران، والرحمة، والتضامن مع الضعفاء، قيمًا تتجاوز الحدود الإثنية والقومية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة المسيحية بوصفها مشروعًا لتحرير الإنسان من منطق الكراهية والثأر، وإعادة بناء علاقته بالآخر على أساس المحبة.
سابعًا: فلسطين ليست ملكًا لدين واحد
إن القدس وفلسطين في الوعي الديني والتاريخي ليستا مجرد مساحة جغرافية.
إنهما فضاء مقدس تتقاطع فيه ذاكرة الديانات الإبراهيمية الثلاث.
ولذلك فإن اختزال فلسطين في رواية دينية واحدة هو اختزال لتاريخها المركب.
ففي فلسطين جذور عميقة لليهودية والمسيحية والإسلام، والقدس بصورة خاصة تحمل طبقات متراكمة من الذاكرة الدينية والحضارية.
ومن هنا فإن الدفاع عن فلسطين يمكن أن يقوم على مفهوم أكثر إنسانية:
الأرض المقدسة ليست ملكًا حصريًا لدين، وإنما هي فضاء مقدس تتعايش فيه ذاكرة الأديان الثلاثة.
وهذا لا يعني إلغاء خصوصية أي دين، بل يعني رفض تحويل المقدس إلى أداة للاحتكار السياسي والإقصاء.
ثامنًا: رمزي الخوري واستمرار المعنى الإنساني
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الدور الذي يقوم به د. رمزي خوري باعتباره امتدادًا لهذا البعد الإنساني في المسيحية الفلسطينية: الدفاع عن الإنسان، والحفاظ على الحضور المسيحي الفلسطيني، والتأكيد على أن فلسطين وطن يتسع لكل أبنائه، وأن المقدس لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء الآخر.
إن جوهر المسألة ليس في أن ينتصر دين على دين، وإنما في أن ينتصر الإنسان على منطق الإقصاء.
وهنا تتقاطع المسيحية الفلسطينية مع البعد الحضاري للإسلام في فلسطين، حيث أصبحت الأرض المقدسة مجالًا مشتركًا للذاكرة الروحية للأديان الإبراهيمية.
خاتمة: من العشاء الأخير إلى فلسطين
حين ننظر اليوم إلى لوحة دافنشي، لا ينبغي أن نرى فيها فقط اثني عشر تلميذًا ومسيحًا يجلس في الوسط.
علينا أن نرى لحظة انهيار عالم وبداية عالم آخر.
المسيح يعرف أن الخيانة قادمة، ويهوذا يحمل ثمنها، والتلاميذ يعيشون الصدمة، بينما يبقى المسيح في مركز المشهد هادئًا.
إنها صورة مكثفة للصراع بين المحبة والخيانة، الروح والمادة، الإيمان والمصلحة، التضحية والنجاة.
ولهذا فإن «العشاء الأخير» ليست مجرد لوحة فنية؛ إنها سؤال فلسفي مفتوح أمام الإنسان:
ماذا يفعل الإنسان عندما يصبح المبدأ أغلى من حياته؟
ومن هنا أيضًا يمكن فهم خصوصية المسيحية الفلسطينية: إنها لا ترى المسيح بوصفه رمزًا دينيًا مجردًا، بل بوصفه ابن هذه الأرض، ابن فلسطين، الذي خرجت رسالته من المكان لتخاطب الإنسان في كل مكان.
أما فلسطين، فلا ينبغي أن تكون أرضًا للحصرية الدينية، بل أرضًا للذاكرة والقداسة والتعدد؛ أرضًا تتجاور فيها روايات اليهودية والمسيحية والإسلام، ويصبح فيها احترام المقدس المشترك مدخلًا لاحترام الإنسان.
وهنا تكتمل الدائرة:
من العشاء الأخير، حيث واجه المسيح الخيانة بالمحبة، إلى فلسطين، حيث ينبغي للإنسان أن يواجه الصراع بالتعايش، وللاحتكار بالاشتراك، وللكراهية بالمحبة.
إن أعظم ما يمكن أن يبقى من رسالة المسيح ليس فقط قصة الألم، وإنما قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى محبة، والخيانة إلى غفران، والموت إلى معنى، والأرض المقدسة إلى فضاء للإنسانية.

د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2