في حركة فتح أشياء لا تُكتب في اللوائح، ولا تُدرّس في الدورات التنظيمية، ولا تحتاج إلى قرارٍ من لجنة أو تعميمٍ من قيادة.
هناك قانونٌ آخر… أقدم من كل القوانين، وأبقى من كل الخلافات: قانون المحبة.
تلك هي فتح التي عرفناها، حركةٌ صنعتها القلوب قبل البنادق، وحملها رجالٌ كبار عرفوا أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن الخلاف مهما اشتد لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية، وأن الجرح مهما كان عميقًا لا يجوز أن يهدم ما بناه العمر من أخوة وانتماء.
وفي فتح، كان الكبار يعرفون متى يتكلمون… والأهم كانوا يعرفون متى يصمتون.
عرفها أبو عمار، وعاشها أبو إياد، وحملها أبو مازن، ومضى على دربها جيشٌ من القادة العظام، من الراحلين إلى الأحياء، ممن اختلفوا وتباينوا واجتهدوا، لكنهم ظلوا يعرفون أن الأخ لا يصبح خصمًا، وأن المناضل لا يصبح عدوًا، وأن الخلاف لا يلغي المحبة.
كانوا يعرفون أن بعض الكلمات قد تُقال في لحظة غضب، وأن بعض القسوة عابرة، وأن الإنسان قد يخطئ حين يختلف… لكن فتح أكبر من لحظة، وأبقى من كلمة، وأوسع من جرح.
ولعل أجمل ما في هذه المدرسة أن كبارها لم يكونوا يتحدثون عن التسامح فقط، بل مارسوه حين كان التسامح أصعب من الرد.
من أبو عمار، الذي اتسع قلبه لأبنائه حتى في لحظات الاختلاف، إلى أبو إياد، الذي كان يعرف أن الثورة بيتٌ واسع لا يضيق بأحبتها، إلى أبو مازن الذي جعل من احتواء المختلف جزءًا من مدرسة القيادة التي آمن بها ومارسها طويلًا.
إنها مدرسة القادة الكبار يا سادة…
مدرسة تقول إن قوة القيادة ليست في عدد الذين يصفقون لها، وإنما في قدرتها على احتواء المختلف، وفتح الأبواب حين يختار الآخرون إغلاقها.
إنها مدرسة أبو مازن يا سادة، وامتدادٌ لمدرسة فتح التي صنعها رجالٌ رحلوا وهم يحملون فلسطين في قلوبهم، ورجالٌ ما زالوا يحملون أمانتها حتى اليوم.
وهنا تظهر عظمة القادة.
فالقائد الحقيقي ليس من يردّ على كل كلمة بكلمة، ولا من يحصي ما قيل بحقه، ولا من يحمل دفترًا للخصومات.
القائد الحقيقي هو الذي يستطيع أن يرد… ثم يختار ألا يرد.
والأجمل أن يملك القدرة على الحساب، ثم يختار الصفح.
أن تعرف أنك تستطيع أن تنتصر في معركة صغيرة… ثم تختار ألا تخسر من أجلها بيتًا كاملًا.
وهذه ليست مسألة شخصية عابرة، إنها واحدة من أخلاق الكبار.
أن تنظر إلى الأمام لأن الطريق طويل، ولأن فلسطين لا تحتمل أن نستهلك أعمارنا في تعداد الجراح.
هكذا تكون القيادة.
وهكذا تكون فتح حين تتذكر أجمل ما فيها.
فمن خصال هذه الحركة أنها علّمت أبناءها أن الأخوة ليست شعارًا، وأن المحبة ليست مجاملة، وأن التسامح ليس ضعفًا.
المحبة في فتح قوة.
والصفح فيها شجاعة.
والتغاضي فيها رجولة.
وحفظ الأحبة فيها وفاء.
ولذلك، مهما كثرت العواصف، ومهما ارتفعت الأصوات، ومهما قست الكلمات، يبقى هناك شيء لا ينبغي أن نخسره أبدًا:
أن نتذكر أننا أبناء بيتٍ واحد، وأن هذا البيت دفع من أعمار رجاله وشهدائه وأبنائه ما يكفي كي لا نهدمه بأيدينا.
فتح ليست فقط تاريخًا من الثورة والانتصارات والشهداء.
فتح أيضًا أخلاق.
ومن أخلاقها أن الكبير حين يُؤذى… لا يصغر.
بل يكبر أكثر حين يعفو.
وما أجمل فتح حين تكون قويةً بالحب، وكبيرةً بالتسامح، وعظيمةً بأبنائها الذين يعرفون أن بعض المعارك لا تُربح بالرد… وإنما تُربح بأن نترفع عنها.
سلامٌ على أبو عمار، وأبو إياد، وعلى كل من سبقونا إلى المجد، وسلامٌ على أبو مازن، وعلى كل قادة فتح الراحلين والحاليين، الذين تركوا لنا وطنًا نحلم به، وحركةً لا ينبغي أن نسمح للخلافات أن تأخذ منها قلبها.
وسلامٌ على فتح حين تكون كما عرفناها:
قلبًا كبيرًا…
وبيتًا لا يغلق بابه في وجه أحد.