جاري التحميل...

نبيل عمرو… حين تصبح الواقعية سؤالاً لا إجابة

بقلم: م.محمد علي العايدي

لا أقرأ ما طرحه نبيل عمرو في موقع المسار باعتباره مجرد مقال في السياسة، بل باعتباره شهادة رجلٍ عاش القضية الفلسطينية من داخلها، وعاصر فتح وهي تنتقل من الثورة إلى السلطة، ومن المنافي إلى الوطن، ومن حلم الدولة إلى واقع الاحتلال والاستيطان. ولذلك فإن الاختلاف معه لا يمكن أن يكون اختلافاً عابراً، ولا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع رجلٍ ينتمي إلى جيلٍ أسس ودفع ثمناً باهظاً من أجل فلسطين.

لكن لأننا من فتح، ولأن فتح لم تكن يوماً حركة تتعامل مع الواقع باعتباره قدراً نهائياً، فإن بعض ما يطرحه نبيل عمرو يستحق النقاش.

يقول إن الفلسطينيين، بعد انسداد أفق أوسلو، انتقلوا من حلم الدولة القريبة إلى واقعية البقاء على الأرض. وهذه قراءة واقعية إلى حد كبير. لكنني أخشى أن تتحول الواقعية، إذا طالت، من وسيلة لحماية المشروع الوطني إلى مشروع بحد ذاته.

نعم، البقاء على الأرض مقاومة. ونعم، أن تبني بيتاً ومدرسة وجامعة ومؤسسة في أرضك تحت الاحتلال هو فعل وطني عظيم. ونعم، أثبت الفلسطينيون أنهم لا يريدون الهجرة، وأن تجربة اللجوء الأولى علمتهم أن خسارة الأرض لا تعني فقط خسارة الجغرافيا، بل خسارة جزء من التاريخ والهوية.

لكن السؤال الذي يجب ألا نخاف من طرحه هو: نبقى من أجل ماذا؟

إذا كان الجواب: نبقى لكي نحافظ على فلسطين، فإن السؤال التالي يصبح حتمياً: وأي فلسطين نريد أن نحافظ عليها؟

هنا لا يجوز أن تتحول الواقعية إلى خفضٍ تدريجي لسقف المشروع الوطني، حتى نصل في النهاية إلى أن يصبح الإنجاز هو مجرد القدرة على البقاء.

فتح التي عرفناها لم تكن حركة بقاء فقط. كانت حركة تحرير وطني. والبقاء كان دائماً جزءاً من معركتها، وليس نهايتها.

ولهذا أعتقد أن المطلوب اليوم ليس التخلي عن الواقعية، وإنما إعادة تعريفها.

الواقعية ليست أن نقول إن الدولة غير ممكنة الآن، إذن فلننتظر.

الواقعية أن نقول إن الدولة ليست ممكنة بالشروط الحالية، فلنغيّر الشروط.

كيف؟

بإعادة بناء البيت الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، واستعادة وحدة القرار الوطني، وإعادة الاعتبار لحركة فتح كحركة وطنية جامعة، وتجديد مؤسسات منظمة التحرير، وحماية الأرض من الاستيطان، وتعزيز صمود الناس، واستثمار الاعتراف الدولي المتزايد بحقوق الشعب الفلسطيني، وبناء شبكة عربية ودولية تحمي المشروع الوطني.

أما انتظار أن يتغير الموقف الإسرائيلي وحده، أو أن تأتي لحظة دولية تمنحنا الدولة جاهزة، فهذه ليست واقعية؛ بل انتظار.

ولعل أكثر ما يلفت في تجربة نبيل عمرو أنه ينتمي إلى جيلٍ لم يكن ينتظر الظروف المناسبة. جيل فتح بدأ في ظروف كان قيام الدولة الفلسطينية فيها يبدو أقرب إلى الخيال. ومع ذلك بدأ الطريق.

وهنا تحديداً أختلف معه بمحبة واحترام: الجيل الذي أسس فتح لم يكن أكثر قدرة من جيلنا، لكنه كان أكثر إيماناً بأن الواقع يمكن تغييره.

اليوم نحن أمام احتلال يريد تحويل القضية من قضية شعب وحق وقرار سياسي ودولة، إلى قضية سكان يريدون تحسين ظروف حياتهم. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث.

لذلك نعم، لنتمسك بالأرض، ولنقاوم التهجير، ولنواصل البناء، ولنحافظ على الإنسان الفلسطيني باعتباره رأس مالنا الوطني الأول.

لكن في الوقت ذاته، لا نسمح بأن يصبح «البقاء» بديلاً عن «التحرير»، ولا أن تصبح «إدارة الواقع» بديلاً عن «تغيير الواقع».

هذه ليست دعوة إلى مغامرة جديدة، ولا إلى تجاهل موازين القوى. بل هي دعوة إلى واقعية فلسطينية تعرف حجم قوتها وحجم ضعفها، لكنها لا تسمح للضعف بأن يتحول إلى عقيدة.

وأعتقد أن فتح، بما لها من تاريخ وتجربة، قادرة على الجمع بين الأمرين: واقعية في الوسائل، وثبات في الهدف.

لهذا أختلف مع نبيل عمرو، وأحترمه في الوقت نفسه.

أختلف معه لأنني لا أريد أن يصبح البقاء هو سقف أحلامنا.

وأحترمه لأنني أعرف أن هذا الرجل لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها، ومن ذاكرة جيلٍ حمل فلسطين في أصعب مراحلها.

وربما يكون أجمل ما يمكن أن نختلف عليه نحن أبناء فتح هو: كيف نحافظ على فلسطين، وكيف نصل بها إلى الدولة.

ففي النهاية، لا يكفي أن نبقى على الأرض.

علينا أن نبقى عليها ونحن نعرف لماذا بقينا، ولأي هدفٍ بدأنا، وإلى أين نريد أن نصل.

وهذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام فتح، وأمام كل فلسطيني:
هل الواقعية تحمي الحلم، أم أن الحلم هو الذي يمنح الواقعية معناها؟.